
تدور المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيلية فعلية، في مشهد يتجاوز الحسابات الإقليمية ليضع النظام الدولي أمام اختبار عميق.
فالحرب الجارية لم تمر عبر تفويض واضح من مجلس الأمن، ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل ما زال القانون الدولي قادرًا على ضبط سلوك القوى الكبرى، أم أن ميزان القوة أصبح المرجعية الوحيدة في إدارة الصراعات؟
التحرك الفرنسي للدعوة إلى انعقاد مجلس الأمن يعكس محاولة لإثبات حضور أوروبي في أزمة تُدار فعليًا خارج الإرادة الأوروبية. غير أن هذا التحرك، على أهميته السياسية، يكشف حجم الفجوة بين الطموح والقدرة. فالقارة الأوروبية، رغم ثقلها الاقتصادي وعضوية فرنسا الدائمة في مجلس الأمن، تجد نفسها مرة جديدة في موقع المتلقي لا الشريك في صناعة القرار.
ليست هذه سابقة. فقد شهد العالم تدخلات عسكرية كبرى جرت خارج مظلة الشرعية الدولية، ما رسّخ تدريجيًا منطق تجاوز المؤسسات عندما تتعارض مع حسابات القوة. في هذا السياق، تبدو المنظمات الدولية أقرب إلى منصات تسجيل مواقف منها إلى أدوات قادرة على فرض تسويات أو منع اندلاع الحروب.
أما الحرب على إيران، فلا يمكن حسمها في أيام معدودة. الأهداف العسكرية والسياسية – من إضعاف القدرات النووية إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية – تحتاج إلى وقت لتتضح نتائجها. كما أن أي رهان على حسم سريع يتجاهل طبيعة الصراع المركبة، واحتمال الردود المتبادلة. فلكل طرف خطوط حمراء، وتجاوزها قد يدفع نحو تصعيد يصعب احتواؤه، ويفتح الباب أمام تدخل أطراف إضافية، ما يحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة تتجاوز الحسابات الأولية.
في هذا المشهد، تبدو أوروبا قوة معيارية أكثر منها قوة حاسمة ميدانيًا. فهي تؤثر في صياغة المبادئ والقواعد الدولية، لكنها تفتقر إلى أدوات فرض الإرادة العسكرية المستقلة. ومع ذلك، ورغم حالة التهميش الحالية، لا يمكن استبعاد احتمال دخولها المتأخر إذا توسعت المواجهة ولامست مصالح مباشرة لدول أطلسية. عندها قد تتحول من مراقب قلق إلى طرف ملزم، لا بدافع طموح استراتيجي، بل بفعل التزامات أمنية ووقائع ميدانية مفروضة.
غير أن هذا السيناريو يبقى مشروطًا بتطورات خطيرة، لأن أوروبا المثقلة بتداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية وأزماتها الاقتصادية تدرك أن الانخراط في حرب جديدة قد يعني الدخول في دوامة استنزاف إضافية. لذلك تميل حتى الآن إلى التموضع في مساحة دبلوماسية ضيقة، تحاول من خلالها إنتاج إطار تفاوضي إذا نضجت ظروف التسوية، من دون أن تملك القدرة على فرضه.
المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في مسار هذه الحرب، بل في ما تعكسه من تحوّل بنيوي في النظام الدولي. فإذا استمر تجاوز المؤسسات الدولية عند كل مفصل حاسم، فإن هذه المؤسسات ستتحول تدريجيًا إلى كيانات شكلية تؤدي وظيفة رمزية أكثر مما تمارس دورًا فعليًا في إدارة الأزمات. عندها لن يكون السؤال من يملك الشرعية، بل من يملك القدرة على فرض الأمر الواقع.
أمام هذا الواقع، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار ضمن منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، بما يعنيه ذلك من تبعية استراتيجية دائمة، أو الشروع في بناء استقلالية دفاعية وسياسية حقيقية تعيد لها دورًا فاعلًا في صياغة التوازنات الدولية. الإجابة عن هذا الخيار لن تحدد فقط موقع أوروبا في هذه الحرب، بل موقعها في عالم يتشكل على إيقاع القوة لا على إيقاع القواعد.
وحتى يحين ذلك الحسم، ستبقى أوروبا خارج اللعبة… حتى إشعار آخر.




