الاحدثدولي

غرينلاند اختبار التحالف بين الولايات المتحدة وأوروبا.. | بقلم علي الهماشي

يبدو أن الرئيس الأمريكي مصر على تنفيذ أهدافه الشخصية، و إنْ غلفها بطابع الأمن القومي الأمريكي، ومن هذه الأهداف غرينلاند التي صرح عنها في ولايته الاولى، ويبدو أنه استسهل الامر بعد عمليته العسكرية في فنزويلا ليعلن ما فُهم على أنه بداية الاستيلاء على قطاعي النفط والمعادن في هذا البلد.

وبعد (نجاحه) في تنفيذ مخططه في فنزويلا تحفزَ وطالب بغرينلاند بقوة و هذه المنطقة تتمتع بحكم ذاتي من حكومة الدنمارك لكن الرئيس الأمريكي جعلها هدفاً له منذ ولايته الاولى.

وبعودة سريعة الى خطاباته قبيل زيارته المقررة للدنمارك سنة 2019 نرى أنه طالب بها، وقابلها إعتراض من رئيس الحكومة الدنماركية على ما جاء في تصريحات رئيس الولايات المتحدة مما ادى إلى إلغاء الزيارة يومئذ دون اعتذار أو تراجع عما طالب به بل إن إلغاء الزيارة فُهمت أنها امتعاض من ترامب مما بدر من الحكومة الدنماركية وليس العكس.

غرينلاد مطلب أمريكي ثابت:
المطالبة بغرينلاند مشروع له خطواته التي رُسمت بعناية، و ما فعله في فنزويلا ونجاحه في ذلك حتى الان قد سرَّعَ من طموحاته في الاستحواذ على هذه المنطقة، ومن الواضح أن الرئيس الأمريكي لن توقفه الصداقات والتحالفات والاعراف الدبلوماسية حيث هدد بفرض رسوم مرتفعة على الدول الاوربية المعنية، واذا ما صدقت المتحدثة باسم البيت الابيض أو ما نُقل عنها، فإنَّهُ وحده من يقرر ولا يعرف احدٌ ما يدور في رأسه ليتنبأ بخطواته ( وهذا مالم يعتد عليه طاقم البيت الابيض وقيادة الولايات المتحدة قبل عهده) بل هو ينسف كل ما كانت تتغنى به الولايات المتحدة من إنَّ سياساتها تخضع للمؤسسة وليس لرجل واحد، رغم وجود صلاحيات مهمة وكثيرة للرئيس الأمريكي إلا أنه من النادر ان انفرد رئيس أمريكي بقراراته دون التشاور او على الاقل اطلاع الكونغرس او مجموعات منه قبل التنفيذ او على الاقل مع زعيمي الحزبين في الكونغرس ومع رئيس الكونغرس …

لكن الرئيس الحالي لا يأبه للعرف السياسي في الولايات المتحدة ويمضي في صلاحياته حتى اخر نقطة، وليس غريبا القول ان الفردية طاغية في سلوكه، وكما قلت سابقاً فإنه يستخدم صلاحياته حتى اخر نقطة فيها، ولا يبالي بالحوارات الداخلية بل يلجأ الى منصته سوشيال تروث ليعلن عن رأيه، وقد لا اُغالي أن أقول انه قد فاق كل رؤساء الولايات المتحدة من حيث التصريحات والبيانات سواءً في وسائل الاعلام التقليدية، أو عبر منصات التواصل الاجتماعي قياساً بالفترة التي قضاها في البيت الأبيض.

ولكن دعونا نناقش الامر بموضوعية و بصورة هادئة، فهذه المنطقة لها أهمية ستراتيجية للولايات المتحدة التي تغطي الثلوج معظم مساحتها وقد يحول التغيير المناخي طبيعتها في المستقبل، ويذوب الجليد وتتغير الطبيعة فيها.

موقع غرينلاند الإستراتيجي :
حسب المعلومات المتداولة عن هذه المنطقة تكتسب غرينلاند أهمية استثنائية للولايات المتحدة لأنها تمثل نقطة ارتكاز عسكرية وجيوسياسية في قلب القطب الشمالي إضافة إلى موقعها الحيوي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وهو موقع فريد يسيل لعاب كل الدول العظمى للسيطرة عليها، وعملياً تملك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية، ومركز ابحاث علمي ذات طابع مدني عسكري مشترك.

وللولايات المتحدة اليد الطولى في هذه الجزيرة وهي تراقب التحركات العسكرية في شمال الأطلسي ومسارات الصواريخ العابرة للقارات فيما لو اندلعت حرب عالمية او تم تهديدها بهجوم صاروخي عابر للقارات، وهي تعتمد على وجودها العسكري لدعم أنظمة الرصد المبكر ضد الصواريخ الباليستية، وهو ما أكده مسؤولون أمريكيون باعتبار الجزيرة جزءاً من بنية الدفاع القومي الأمريكي.

وهذا الوجود الأمريكي قد بدأ منذ الحرب العالمية الثانية، وتطور بشكل سريع، واستند الى اتفاقية ثنائية مع الدنمارك ضمن حلف الناتو..

غرينلاند تحت سيطرة المتحدة:
رغم الضجة التي احدثها الرئيس الأمريكي من أجل (شراء) غرينلاند فهي تحت سيطرة الولايات المتحدة عملياً، وليس لغيرها من دول الناتو نشاط عسكري، لكن الرئيس الأمريكي لا يكتفي بذلك فكما أنهى استثمار شركات صينية في قناة بنما، يحاول الاستحواذ على هذه الارض بصورة قانونية لما فيها من ثروات معدنية قد يسهُل استخراجها بعد أنْ يذوب الجليد، وإنَّ انتقال سيطرتها الى الولايات المتحدة يسهل على الشركات الأمريكية العمل فيها دون مخاوف قانونية او دون تخوف من تبدل الأوضاع السياسية، وإنها ضمن صلاحيات الحكومة الأمريكية، وهذا ما تواجهه الشركات الأمريكية التي تتخوف حتى الان في الدخول الى فنزويلا مما اصر كثيراً بنتائج العملية العسكرية في فنزويلا.

الرئيس ترامب يكشف هدف ثاني في غرينلاند :
بالرغم من إنَّ الرئيس ترامب تحدث عن أهميتها الستراتيجية لكنه لم يغفل عن ذكر مواردها الطبيعية، وحذر من نشاطات صينية و روسية في المناطق القريبة منها فيخشى استيلاء إحدى الدولتين عليها، فيما لو تحررت من الدنمارك واعلن شعبها نيتهم الانفصال عن المملكة الدنماركية.

وهذه المخاوف لا تجد من يوافقه من دول أوروبا المهمة فرنسا بريطانيا بالاضافة الى الدنمارك والنروج قد وقفوا بالضد من رغبات رئيس الولايات المتحدة، وبالفعل فقد اتخذت كل من فرنسا والنروج والدنمارك خطوات عملية في هذا الجانب.

وقبل مناقشة اجراءات الدول الاوربية في هذا الشأن نجد أن الرئيس الأمريكي يهدف الى التشكيك بقدرات الاوربين في حماية هذه المنطقة وهي تعني الكثير بالنسبة لاعضاء الناتو حلفاء الولايات المتحدة، فإنَّ أي اعتداء على اي جزء من اراضي دول الناتو يعتبر اعتداءً على دول الناتو كلها، ويستلزم الدفاع عن هذا الجزء، لكنَّ الرئيس الأمريكي يبدو انه لا يلتفت الى هذا البند ويصر على استصغار الدول الاوربية بسابقة غير معهودة في تصريحات رؤساء الولايات المتحدة السابقين حينما صرح الاثنين الماضي قبيل مشاركته في مؤتمر دافوس فقال ” للصحافيين في فلوريدا، في وقت متأخر أمس الاثنين: «إن الولايات المتحدة ستبحث مسألة ضم ‌غرينلاند ‌خلال ‌منتدى ⁠افوس ​الاقتصادي ‌العالمي هذا الأسبوع»، مشيراً إلى أن الدنمارك لا تستطيع حماية الجزيرة فقال : “يجب أن نحصل عليها. ​يجب أن يتم ذلك. لا تستطيع الدنمارك حمايتها. إنهم أناس رائعون… أنا أعرف القادة، وهم أناس طيبون جداً، لكنهم لا يذهبون إلى ‌هناك»، وأضاف “لا أعتقد أنهم سيتصدّون بشدة. يجب أن نحصل عليها يجب أن يتم هذا الأمر” .

هذه التصريحات وما تلاها في مؤتمر دافوس تعتبر استخفافا بالحلفاء وتبين غطرسة غير معهودة في علاقات البلدان بعضها مع بعض، وتذكرني بلهجة و خطاب الملوك الرومان مع حلفائهم او من يختلفون معهم ديلوماسياً و سياسياً وكانت هذه عقيدتهم في الاستعلاء تنعكس على خطاباتهم التي ترى أن روما “سيدة العالم” يلمح ترامب بأن ” واشنطن سيدة العالم ” ولا يجوز مخالفتها، وربما لمح الى ذلك بعد لقائه مع الامين العالم لحلف الناتو بأنه حصل على اتفاق مرضي للجميع اي مرضي للولايات المتحدة..

التساؤل المشروع لدول الناتو:
هل ستشعر دول الناتو بالاطمئنان بعد تصريحات وسلوك ترامب اتجاهها في قضية لم تكن تستوجب كل هذا الخلاف العلني لو جرى الامر خلف أبواب موصدة !!؟

اكاد أُجزم أن دول حلف الناتو سيعيدون التفكير كثيراً في سلوكهم العسكري والاقتصادي ولا يركنون الى الولايات المتحدة، فقضية غرينلاند احدثت شرخاً كبيراً في علاقات دول الناتو مع الولايات المتحدة، وقبلها كانت قضية اوكرانيا، حيث فرض الرئيس الأمريكي على هذه الدولة الجلوس في مفاوضات مع روسيا واجبرها على قبول الاستثمار او التوقيع لشركات أمريكية بالعمل في مجال الطاقة والمعادن وهي ” فاقية المعادن النادرة بين أوكرانيا وأميركا”

ولم تحصل الدول الأوروبية على أي مكسب في هذا الامر بينما أنفقت ملايين الدولارات في اوكرانيا من اجل ادامة زخم الحرب واغراق الروس في اوكرانيا واجهادها اكبر قدر ممكن، وقد تحملت أوروبا العبء الاكبر من خلال زيادة انفاقها واثر كثيرا على مستوى المعيشي في كثير من بلدانها. وذكرت سابقا ان الدول الأوروبية هي الخاسر الاكبر في اوكرانيا..

ولعل قضية غرينلاند تمثل الضربة الثانية لا في خسارتها لهذه الارض فهي بعيدة عن تفكير الشركات الاوربية ولم يدر في خلد قادة أوروبا التوجه للاستفادة منها عسكرياً، ولهذا نرى أن ترامب يرى وان لم يقل ذلك ان هذه الدول تتكل على بلاده في المجال العسكري وقد (أجبرها ) على زيادة انفاقها العسكري وزيادة اسهاماتها المالية في الناتو، كل ذلك قد يؤدي مستقبلا الى ان تتجه الدول الاوربية للتفكير بصورة جدية عن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية..

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى