
مع كل تحرك أمريكي تساور قطاعات واسعة من الشعب العراقي الشكوك حوله، و هو جمهور رافض لكل ماهو أمريكي كما إنَّ هناك فريق أخر يطبل لأي خطوة أمريكية بأنها بادرة لتغيير قادم في العراق، وجاء تعيين الرئيس الأمريكي لمبعوث شخصي خاص بالعراق وهو السيد مارك سافيا بتأويلات عديدة تكشف خلفيتهم السياسية وقد تكون بعضها بعيدة عن الواقع .
السيد مارك سافيا :
لا أسعى الى تكرار ما كتبه المحللون وبعض مواقع الأخبار عن المبعوث الجديد ، لكنَّ ملاحظتي أن سيرته الذاتية لا تتحدث عن امتلاكه شهادة جامعية عليا أو أولية على الأقل.
و يبدو أنَّ القانون الأمريكي لا يشترط توفر شهادة جامعية في تعيين مبعوثاً خاصاً عن الرئيس الأمريكي، إضافة الى أن هذا التعيين لا يلزمه موافقة الكونغرس الأمريكي أو بصورة أدق مجلس الشيوخ بخلاف تعيين السفير الذي يمر بأليات مختلفة تماماً من خلال وزارة الخارجية والتدرج في السلك الدبلوماسي، وتلزم موافقة (معظم ) مجلس الشيوخ الأمريكي، ليمارس بعد ذلك عمله .
وعليه سنناقش الأمر بطريقة خاصة لأن للمبعوث مهام خاصة، حسب قناعة الرئيس الأمريكي في ذلك
والرئيس ترامب يحاول الخروج عن المألوف ولكنه يفهم الدستور الأمريكي جيداً ، وإن كانت قرارته (مزاجية ) وتستند الى القرب والبعد منه شخصياً، إلا أنه حتى هذه اللحظة لم تتجاوز قراراته ما يعرف بصلاحيات رئيس الولايات المتحدة، و هو ماضٍ في شعاره الظاهري (أمريكا أولاً)، و لكن الباطن في تصرفاته وردود فعله أنَّ الشعار والعمل على ( ترامب أولاً وأخيراً).
ولهذا لا تخرج التعيينات الخاصة عن هذا الإطار فهذا ثاني مبعوث لدول الشرق الأوسط (لبنان والآن العراق) أن مؤهلات المبعوث (صديق الرئيس) وثانياً ( رجل أعمال) ولا تكفي الصداقة بل أن يكون مؤيداً له، ومنغمس في الحركة مما يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى وتختصر ب( ماغا MAGA) .
وأراد الرئيس الامريكي أن يبين في تغريدته بتعيين مبعوثه الخاص إلى العراق بأنها لمصلحة الولايات المتحدة حيث كتب على منصته توث سوشيال ” يسعدني أن أُعلن أن مارك ساڤايا سيشغل منصب المبعوث الخاص لدى جمهورية العراق ، أن فهم مارك العميق للعلاقة بين العراق والولايات المتحدة وعلاقاته بالمنطقة سيساعد في تعزيز مصالح الشعب الأمريكي ” ثم أردف سبب تعيينه وكأنها مكافئة لمارك ” كان مارك لاعباً رئيسياً في حملتي في ميشيگن حيث ساعد هو وآخرون في تأمين نسبة تصويت قياسية بين الأمريكين المسلمين” ويرى في أصدقائه ومؤيديه من رجال الأعمال ما يمكن أن يحققوا نجاحاً وتجسيداً لما يريده ، فقد عيّن مبعوثه إلى لبنان رجل أعمال مؤيد ومنخرط في رؤيته لأمريكا، وهكذا الأمر بالنسبة للعراق، وإن تأخر التعيين بعض الوقت لكنه جاء بعد (نجاح ) وساطته في الإفراج عن (اليزابيث تسوركوف) المتهمة بانتمائها إلى جهاز الموساد .
كان الرئيس ترامب واضحاً في تغريدته بتعيين هذا المبعوث والتي قال إنه اختاره لضمان مصالح الشعب الأمريكي، وهذا خلاف العرف السياسي الذي اعتاد ترامب على مخالفته، فهو يناغم الشعبوية الأمريكية، ويلغي ما يسمى المصالح المشتركة بل يعزو كل شيء الى قوة أمريكا وما يتم الحصول عليه يأتي ضمن صفقة فرضتها الإرادة القوية للولايات المتحدة .
ويمكننا أنْ نفهم إنَّ هذا التعيين هو منحة، وهبة، أو رد جميل للسيد مارك سافيا لوقوفه مع ترامب في حملته الانتخابية في ولاية ميشغان حيث تبرع بمبالغ جيدة في حملة ترامب الانتخابية الأولى.
والسيد مارك سافيا لم يختلف عن بقية الذين عينهم الرئيس الأمريكي ترامب في المبالغة بشكره على هذا التعيين .
التعيين من وجهة نظر عراقية :
هناك من يرى أنَّ الرئيس الأمريكي مستخف بالعراق إلى الحد الذي عين فيه رجلاً لا يعرف ألف باء السياسية رغم ادعاء ترامب أن للرجل علاقات واسعة إقليمياً، ولكن ما يراه الرئيس الأمريكي لا يصمد أمام تعقيدات المجتمع العراقي التي لا يفككها إلا من له إطلاع وإدراك عالي يعيش في كنفه مستوعب لحركته كي يستطيع النفاذ إلى العمق، كي تكون مخرجات قراراته سليمة، أما الاعتماد على جزئية للحكم على المشهد بكامله فهو قصر نظر واستعجال بالمواقف، ومع كل هذه المعطيات لا نريد الاستعجال بالحكم في نجاح او إخفاق المبعوث الثالث ، لكننا سننتظر أداءه الرسمي الذي سيختلف كلياً عما كان يمارسه في زياراته السابقة للعراق ، فالمنصب الرسمي يقيد السلوك والحركة لأي شخص كان، وإن كان يحب المغامرة وحب الظهور.
نظرتان لتعيين ساڤيا:
الأولى:
سأبدأ بالنظرة الأولى التي ترى في مجيء السيد ساڤيا بأنه بداية النهاية للنظام السياسي في العراق ، وكأنَّنا مستسلمين للقضاء والقدر الأمريكي وهي نظرة خواء وفراغ وانهزام نفسي.
وربما يساعدهم في ذلك من يعادي تحركات الولايات المتحدة في العراق فالرفض المطلق يولّد رد فعل مطلق.
الثانية:
علينا أن ندقق بتحركات الرئيس الأمريكي والتي لا يخفيها وإنما تظهر في تصريحاته وقبل هذا التعيين صرح في شرم الشيخ بتصريحه السمج، و بعقلية استعلائية اتجاه العراق وموارده الطبيعية ( لا أُريد تكرار مقولته لأنها مشمئزة) وهي تخفي خلفها رغبة استحواذية، وهي عقيلة المستعمر الذي يرى أن شعوب الشرق الأوسط ليست جديرة بامتلاك مواردها و هي لا تحسن التصرف فيها، وعلى الإنسان الغربي المتطور أن يديرها !!.
وهكذا يرى أصحاب هذه الرؤية أن تعيين رجل أعمال أمريكي _عراقي هي رغبة في بدء مرحلة علاقات جديدة بعيداً عن العلاقة العسكرية التي ربطت بغداد بواشنطن منذ شن الولايات حرباً على العراق أدت إلى احتلاله وتدمير بنيته التحتية، ولم تقم بعد ذلك بحماية الممتلكات العامة ضمن القانون الدولي الذي يفرض على الدول المحتلة أن تقوم بواجباتها الأمنية اتجاه الدول التي سيطرت عليها عسكرياً.
ولكن هذه الرؤية بحاجة إلى أرضية تمهد لذلك ، هذه الأرضية ما زالت غير واضحة بالرغم من لقاءات السيد ساڤيا مع شخصيات مهمة في الإطار أو مع بعض الشخصيات في الفصائل مباشرة أو تبادل الرسائل الشفوية معهم عبر وسيط ثالث.
النظرة الموضوعية أنني أرى أن السيد ترامب أعاد العراق إلى جدول أعماله ،فهو لم يكترث في ولايته الأولى بما كان يجري في العراق أيام التحرير ، بالرغم من تواصله مع رئيس الوزراء الاسبق في تلك المرحلة ( حيدر العبادي) إلا أنه لم يكن يتحدث عن مستقبل مشترك للبلدين ، ولم تكن من أولويات سياسته عمليات التحرير في العراق فهي لم تكن تعود عليه بالنفع الشخصي كما كانت سمة ولايته الأولى فاتجه إلى الدول الغنية المملكة السعودية الإمارات وقطر واستمر على نفس النهج في ولايته الثانية ..
وقد تحدث أكثر من مرة أن خيار الحرب على العراق أو غزوه لم تكن له و هو لم يرسل الجنود إلى المنطقة فكان يلوم أسلافه في هذا القرار ، والعراق مصدر إزعاج له لأن هذا البلد لم يجلب النفع للولايات المتحدة، لكنَّ تغريدته الأخيرة توحي في تبديل نظرته تلك.
المهم هو كيف تستغل الحكومة العراقية الحالية أو التي ستأتي بعد الانتخابات هذه المعطيات الجديدة فيما يتعلق بتغيير النظرة الأمريكية اتجاه العراق من شريك أمني لمحاربة الإرهاب إلى مشاركة اقتصادية في مجالات الطاقة وبقية الصناعات الأخرى هذا ما يجب أن بعمل عليه الساسة العراقيون في هذه المرحلة حتى تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات .




