
مقدمة سريعة:
قبل أن أشرح العنوان دعوني أتحدّث قليلاً عن الفرق بين محلّلٍ موظّفٍ تدفع له المؤسسة أو يخضع لأيديولوجية معيّنة وتكون نتائج تحليله خاضعة لذلك، وبين محلّلٍ يستخدم أدواته في اكتشاف الحركات التي تغيّر تاريخ الأمم بعيداً عن القيم التي يتبنّاها، فهو يرصد ويحلّل، ثم يضع المعايير الصحيحة للوصول إلى النتيجة.
سبب العنوان :
لا أدري لِمَ أُشَبِّه الولايات المتحدة بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تعجّ بالمفارقات، وكان مجتمعها خليطاً من أعراقٍ متعدّدة، وكان لساكنيها الحقّ في الحصول على المواطنة بشروط معروفة آنذاك، ولكنّ المؤرّخ لا يغفل عن وجود الطبقية والتقسيم العرقي ناهيك عن التفريق بين السادة والعبيد، وبين العرق الروماني وغيره.
كذلك الولايات المتحدة فهي خليط من أجناس مختلفة: أوربية، إفريقية، آسيوية وهندية، ورغم انتهاء العبودية وحلول مفاهيم التحرّر والديمقراطية وغيرها من المصطلحات التي روّجت لها الليبرالية الأمريكية، إلا أنّ المراقب يرى وجود فارق طبقي وعرقي فيها.
وعندما نطّلع على سلوك يوليوس قيصر عند اعتلائه عرش روما، ونتجاوز عن ظروف وصوله إلى قمّة الهرم نرى أنّ سلوكه في تعامله مع (مجلس الشيوخ الروماني) وبقية مراكز القوى في هذه الإمبراطورية يشبه إلى حدٍّ ما سلوك الرئيس دونالد ترامب مع المؤسسات الأمريكية الرسمية وما يُعبَّر عنه بالدولة العميقة في الولايات المتحدة، مع ملاحظة أنّي لا أُضيف تعظيماً له وإنّما أحاول أن أرصد حركة التاريخ وسنّته فيما يتعلّق بسلوك من يملكون أدوات التغيير، وقد امتلكها يوليوس قيصر يومئذ، ولا شكّ أنّ الرئيس الأمريكي بما يملكه من صلاحيات دستورية تسمح له بالتغيير، وهو من يملك أهدافاً مسبقة قد أعلن عنها في شعاراته الانتخابية ولم يتخلَّ عنها حتى هذه اللحظة وسيتبيّن ذلك فيما سأورده لاحقاً.
فالرئيس ترامب من الشخصيات التي تهاجم ولا تميل إلى الدفاع، بل يستخدم حدود سلطته بطريقة تُقوِّض المؤسسات الأمريكية لا بإلغائها بل بخطوات مدروسة، مع استحضارٍ للجمهور في هذه المفاصل فهو لا يتوانى بذكر كلّ ما يقوم به عبر منصّته في التواصل الاجتماعي، ليُفهِم الآخرين بأنّ قراره لا رجعة فيه ولا ينبغي مناقشته!.
إنّه تغيير مبرمج لمراكز القوى ابتدأت في ولايته الاولى ، واستمرت في الثانية بطريقة سريعة لم تسمح حتى لأعضاء الحزب الجمهوري باقتراح أيّ فردٍ على طاقمه الحكومي، وكأنّ حكومته كانت جاهزة قبيل الانتخابات.
من هنا أرى هذه الاستعارة التاريخية ليوليوس قيصر لأنّني رصدت تشابهاً في نمط القيادة بين الشخصيتين بعد أن سجّل لنا التاريخ ما جرى بين القيصر وبين مجلس الحكماء،وما يقوم به الرئيس ترامب يشبه ماقام به القيصر فهو يمثّل تحدّياً للمؤسسة مع الإشارة إلى أنّه لم يكن نتاج المؤسسة الحاكمة.
ولا شكّ أنّ خطوات الرئيس قد تختلف في التفاصيل عن القيصر لكن نتائجها تشير إلى تغيير وجه واشنطن، كما تغيّر وجهُ روما وشكلُ الحكم فيها بعد أن نجح يوليس قيصر في تقويض مجلس الحكماء..
الرئيس ترامب نحو دولة قائد لا دولة مؤسسات:
وهذا العنوان لا يعني أنّ الرئيس الحالي سيلغي هذه المؤسسات وإنّما كلّ ما سيقوم به هو التغيير البنيوي لقادة هذه المؤسسات لتدور في فلكه أو يدينون بالولاء له، بل حتى القضاء من خلال التعيينات الجديدة ، أو المصادقة على ترشيح القضاة التي سبقت ولايته الثانية، فهو قد زاد من تشدّد هذه المؤسسة في مجال اختيار القضاة، واقترح أمراً مثيراً بتشجيعه على تعيين قضاة شباب يؤمنون بأصالة الدستور (سيأتي شرح ذلك لاحقاً).
فالرئيس لديه أربعة أسلحة: السلطة التنفيذية والقضاء والمال بالإضافة إلى ميليشيا مسلّحة كانت لها دور كبير في اقتحام الكابيتول اعتراضاً على نتائج الانتخابات في سنة 2021 وسنحاول الاطلاع على خطوات الرئيس التي بدأ بعضها في ولايته الأولى.
وسأبدأ بالقضاء لأنه الأخطر في تركيب الدولة وتقاس الدول بقوة قضائها واستقلاله عن بقية السلطات.
أولاً القضاء :
ومَن قرأ تاريخ الدستور الأمريكي يعلم أنّه كُتب بأيدي رجال أوربيين وهذا ما يحاول ترامب إعادته للمشهد السياسي عبر تحالفه مع تيار داخل المحكمة يدعو إلى الأصالة وأُصطلح عليه الأصالة الدستورية (Original-ism) وهو تيار قوي جداً داخل المحكمة العليا.
وما يقوم به ترامب ستنتج طبقة من القضاة الشباب (40 إلى 50 سنة) الذين يؤمنون بالأصالة الدستورية الذي يرى أنّ رجال السياسة انحرفوا به نتيجة لاجتهاداتهم فيه، وبهذا يضمن لترامب المعركة القضائية مستقبلاً ، وسنرى ما أهمية ذلك في المشهد السياسي وما يعزّز هذا الاحتمال هو منح دونالد ترامب الحصانة (الجزئية) من الملاحقات القضائية سنة 2024 بصفته رئيساً سابقاً وهي سابقة تاريخية للمحكمة العليا في الولايات المتحدة التي يسيطر عليها المحافظون ( بفضل تعييناته في الولاية الأُولى) هذا القرار حمى ترامب سياسياً وقانونياً بشكل مباشر.
وفي ولايته الحالية، تشير المعلومات أنّ ترامب وفريقه باتوا أكثر دقّةً في اختيار قضاة يؤمنون بـ”الأصلانية”، بل لمن يتبنّى نظرية (السلطة التنفيذية الموحّدة) ، وهي نظرية قانونية تعطي الرئيس سلطة شبه مطلقة على كلِّ موظفي الحكومة الفيدرالية بحسب المادة الثانية من الدستور الأمريكي التي تنصّ على “تُناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة” وتفسيرها يعطي الرئيس صلاحية الإقالة المطلقة، وكذلك السيطرة المطلقة على الوكالات المستقلة، و يرفض أصحاب تفسير هذه المادة تدخل الكونغرس بتعيين مسؤولين يتمتعون باستقلالية عن البيت الأبيض، بينما يرى المعارضون لهذا التفسير أنّها تحوّل الرئيس إلى ملكٍ يحكم وتُضعف الرقابة والتوازن.
وهذا الحقّ منح ترامب الصلاحية في إقالة موظفي القضاء الذين حقّقوا معه ،واستمرت الإقالات في هذه السنة كعملية (تطهير) لوزارة العدل لتطال أكثر من 12 مدعياً عاماً وموظفاً، وقد كانت خطابات فصلهم واضحة في دلالتها وتبيّن الغرض منها “لا يمكن الوثوق بهم لتنفيذ أجندة الرئيس”.
وربما نرى صدور عفو من المحكمة عن مقتحمي الكابيتول الذين يصفهم الرئيس (بالمعتقلين السياسيين ) ، وإذا ما أصدر القضاء مثل هذا العفو دون اضطرار الرئيس لإصداره فإنّه سيمثّل انتصارً حقيقياً على خصومه يذكّرنا بانتصار الرئيس السابع للولايات المتحدة (أندرو جاكسون) الذي وبّخه الكونغرس على قرار سحب الودائع الفدرالية من البنك الوطني دون موافقة الكونغرس أنذاك ،فاعتبرها خصومه تجاوزاً للصلاحيات الدستورية وكان هذا أول توبيخٍ صدر من الكونغرس بحق رئيس للولايات المتحدة ولم يصدر مثل هذا الامر حتى هذه اللحظة ، ولكن في نهاية المطاف وقبيل انتهاء ولايته الثانية حصل قرار الشطب لهذا التوبيخ وعُدّ انتصاراً كبيراً للرئيس اندرو.
وبالمناسبة فإنّ هذا الرئيس الأسبق يتغنّى به الرئيس الحالي، ويعتبره الملهم ،والنموذج التاريخي له وسأعرّج في الجزء الثاني على أداء الرئيس السابع مقارنة بما يقوم به الرئيس الحالي.




