
تتناول هذه الورقة قراءة تحليلية للكتاب الصادر عن مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية بجامعة تل أبيب بعنوان «الترابي الناطق باسم الإسلام الراديكالي» ، من تأليف الباحث والدبلوماسي الإسرائيلي أمير فايسبرود (Amir Weisbrod) ، والصادر عام 2013.^1
وتركّز الورقة على تفكيك الرؤية الإسرائيلية لشخصية الدكتور حسن الترابي ومشروعه الفكري ومجمل المشروع الفكري والسياسي للحركة الاسلامية السودانية ، وتحليل تقديراتها لمدى خطورته وتأثيره ، ليس في السياق السوداني فحسب ، بل في الإطار الإقليمي والفكري الأوسع .
وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الاهتمام الإسرائيلي الأكاديمي بالترابي يعكس إدراكًا مبكرًا لطبيعة التحولات البنيوية التي أحدثها في خطاب وممارسة الإسلام السياسي المعاصر .
أولًا : الإطار المؤسسي والبحثي للدراسة
صدر الكتاب موضوع هذه الورقة عن مركز دايان ، وهو أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل ، ويُعدّ ذراعًا بحثيًا يرفد صانع القرار الإسرائيلي بالدراسات المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي .^2
ويكتسب الكتاب أهميته ليس فقط من موضوعه ، بل من الخلفية المهنية لمؤلفه ؛ إذ إن أمير فايسبرود باحث ودبلوماسي إسرائيلي ، سبق له العمل في السلك الدبلوماسي ، ومن ضمن مهامه العمل ملحقًا إعلاميًا لإسرائيل في الأردن .^1
هذا التداخل بين البحث الأكاديمي والخبرة الدبلوماسية يجعل الدراسة أقرب إلى التحليل الاستراتيجي طويل المدى منه إلى مجرد عمل أكاديمي وصفي ، وهو ما يفسّر اهتمامها بالبنى الفكرية العميقة
لمشروع الترابي أكثر من اهتمامها بالتفاصيل الحدثية .
ثانيًا : المنهج التحليلي ومنطلقات القراءة الإسرائيلية
يعتمد فايسبرود في كتابه منهجًا تحليليًا مركبًا ، يجمع بين قراءة نصوص الترابي الفكرية ، وتتبع ممارساته السياسية ، وتحليل أثرها الإقليمي والدولي .^3
ولا ينظر إلى الترابي كزعيم محلي ، بل كنموذج قابل للتعميم داخل منظومة الإسلام السياسي العالمي .^4
وتنطلق الدراسة من فرضية إسرائيلية مركزية مفادها أن التهديد الحقيقي لا يتمثل في الحركات الإسلامية الصدامية قصيرة الأمد ، بل في الإسلام السياسي القادر على إنتاج خطاب فكري متماسك ، وتكييفه مع الدولة الحديثة ، واكتساب شرعية داخلية وخارجية.^1
ثالثًا : حسن الترابي كنموذج إسلامي “غير نمطي”
يقدّم فايسبرود الترابي بوصفه شخصية مركّبة تجمع بين التكوين الفقهي التقليدي والتعليم القانوني الغربي والبراغماتية السياسية.^3
وتعتبر الدراسة أن هذه التركيبة تمثل مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل ، لأنها تنتج إسلامًا سياسيًا قادرًا على مخاطبة النخب ، لا الجماهير وحدها ، وعلى العمل داخل مؤسسات الدولة لا خارجها .^5
ويركّز الكتاب على إعادة الترابي صياغة مفاهيم مركزية مثل الشورى والشرعية والسيادة ، في إطار يسمح ببناء دولة حديثة ذات مرجعية إسلامية ، دون الوقوع في نموذج الدولة الثيوقراطية المغلقة .^1
ومن منظور إسرائيلي ، فإن هذا النموذج يهدد البنية الفكرية للنظام الإقليمي القائم ، لا عبر المواجهة المباشرة ، بل عبر تقديم بدائل شرعية منافسة .^6
رابعًا: التجديد الفقهي بوصفه أداة استراتيجية
يفسّر فايسبرود آراء الترابي التجديدية في قضايا المرأة والحريات والاجتهاد بوصفها جزءًا من استراتيجية واعية تهدف إلى تحصين المشروع الإسلامي من النقد الغربي ، وإعادة تقديمه في صورة قابلة للتداول في الفضاء الأكاديمي والسياسي الدولي .^1
ولا ينظر إلى هذه الطروحات باعتبارها نزوعًا ليبراليًا ، بل باعتبارها توظيفًا ذكيًا لأدوات الحداثة لخدمة مشروع أيديولوجي طويل الأمد.^7
خامسًا : الدولة والسلطة ومصدر القلق الإسرائيلي
يولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بتجربة الترابي في الحكم ، معتبرًا أن انتقال الإسلام السياسي من موقع المعارضة إلى موقع الدولة يمثل أخطر مراحل تطوره.^1
فالإسلاميون ، وفق هذا التحليل ، عندما يصبحون فاعلين ورجال دولة ، يتحولون إلى عنصر سيادي يصعب عزله أو احتواؤه أمنياً .^8
كما يتوقف فايسبرود عند العلاقة المعقدة بين الترابي والمؤسسة العسكرية ، معتبرًا تحالفه معها تحالفًا وظيفيًا مرحليًا ، يعكس فهمًا عميقًا لمنطق السلطة ، ويزيد من قابلية هذا النموذج للتكرار في بيئات عربية وإسلامية أخرى .^1
سادسًا : الترابي وإسرائيل ، الخطر البنيوي طويل الأمد
لا يصنّف الكتاب الترابي كخصم عسكري مباشر لإسرائيل ، لكنه يراه خطرًا فكريًا وبنيويًا بعيد المدى .
فمشروعه يسهم ، بحسب التقدير الإسرائيلي ، في إعادة تشكيل الوعي السياسي الإسلامي ، وربط الصراع مع إسرائيل بسياق حضاري ممتد ، لا بظرف سياسي عابر .^1
خاتمة
تخلص الورقة إلى أن صدور هذا الكتاب عام 2013 عن مركز دايان ، بقلم دبلوماسي إسرائيلي متمرّس مثل أمير فايسبرود ، يعكس إدراكًا إسرائيليًا مبكرًا بأن التحدي الحقيقي لا يكمن في الأشخاص أو التجارب السياسية العابرة ، بل في الأفكار القابلة للاستمرار وإعادة الإنتاج .
ومن هذا المنظور ، فإن حسن الترابي رغم إنقطاع تجربته السياسية ، ظل حاضرًا في الوعي البحثي الإسرائيلي بوصفه أحد أخطر منظّري الإسلام السياسي في العصر الحديث .
الهوامش / المراجع
فايسبرود ، أمير . الترابي : الناطق باسم الإسلام الراديكالي (תראבי: דובר האסלאם הקנאי) .
مركز موشيه دايان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية ، جامعة تل أبيب ، 2013.
Moshe Dayan Center for Middle Eastern and African Studies.
Tarabi : The Spokesman for Radical Islam.
Tel Aviv University, 2013.
الترابي، حسن عبد الله .
الحركة الإسلامية : التطور ، المنهج ، الكسب .
الخرطوم : دار الفكر ، 1989.
تجديد أصول الفقه الإسلامي . الخرطوم : دار التنوير ، 1991.
السياسة والحكم : النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع .
الخرطوم : دار الفكرز، 1998.
Voll, John O. Political Islam: Continuity and Change.
Syracuse University Press, 1994.
Burgat, François. Islamism in the Shadow of al-Qaeda.




