إقتصادالاحدث

“الكارتل الثُلاثي” المُقبِل للسَيطرة على أسواقِ النفطِ العالمية؟ | بقلم غابي طبراني

هل يُمكن أن يُؤدّي التقارُب في العلاقات الأميركية-الروسية في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى إعادةِ تنظيمٍ جذريةٍ لسوق النفط العالمية؟ يعتقد جيم بوركارد، الذي يقود أبحاث النفط الخام في وكالة “ستاندرد آند بورز غلوبال”، أنَّ ذلكَ مُمكِنٌ.

في مؤتمر “أسبوع سيرا” (CERAWeek) لقادة الطاقة الذي عُقد في الأسبوع الفائت في هيوستن، أثار بوركارد ضجّةً في إحدى جلسات النقاش عندما أشار إلى أنَّ المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وروسيا، التي تُسيطرُ مُجتمعةً على 40% من أسواق النفط العالمية، قد تُفكّرُ سرًّا في تحالُفٍ من شأنه أن يُغيِّرَ النظرةَ التقليدية إلى النفط.

كانت تعليقاتُ بوركارد خلاصةً لتقريرٍ قدمه أخيرًا لعملاء “ستاندرد آند بورز”. فقد كتبَ: “في خطوةٍ قد تُحطّمُ النموذج المُعتاد، تسعى الدول الثلاث الكبرى إلى تحقيق مصالح مشتركة في النفط والمسائل الجيوسياسية”.

وأكد خبراءُ النفط في هيوستن، المُطَّلعون على تفكير واشنطن، أنَّ الإدارة الأميركية تدرسُ بالفعل مبادرةً على هذا المنوال، حتى وإن لم تتبلوَر مداولاتها بعد في مقترحاتٍ سياسيةٍ صارمة.

ويبدو أنَّ بوركارد يُفكّرُ بخطوتَين على الأقل للأمام، مُفتَرِضًا التوصُّل إلى تسويةٍ سلميةٍ من نوعٍ ما بشأن أوكرانيا، واستعدادًا سعوديًا للانخراطِ مُجدّدًا في ترتيبٍ نفطيٍّ عالميٍّ شامل، كما فعلت المملكة عندما كانت أسواق النفط الخام في أزمةٍ في ذروةِ الجائحة في ربيع العام 2020.

وقال بوركارد: “إنَّ التقارُبَ الدائم بين أميركا وروسيا -وعلاقات السعودية مع كليهما- ستكونُ له آثارٌ جيوسياسيةٌ بعيدة المدى، بما في ذلك على سوق النفط”.

إذا تمّ تأسيس هذه الكتلة الثلاثية القوية في سوق النفط الخام العالمية، فمن المؤكّد أنها ستُغيّرُ الأمور. وبإمكان الدول الثلاث مُجتَمعةً أن تُحدِّدَ مستويات الإنتاج بشكلٍ حاسمٍ وقاطع، وبالتالي تحديد الأسعار لبقيّة العالم.

لكن تكمن المشكلة، كما يُقرّ بوركارد، في أنَّ “تفضيلات أسعار النفط غير متوافقة” بين هذه الدول الثلاث.

يفترض العديد من الخبراء أنَّ ترامب يُريدُ انخفاضَ أسعار النفط الخام إلى حوالي 50 دولارًا للبرميل، وذلك لكَبحِ جماحِ التضخّم الأميركي وتحقيقِ وعدهِ الانتخابي بتخفيضِ أسعار البنزين في محطات الوقود.

مع ذلك، يعتقد بوركارد أنَّ “النطاقَ السعري المُفضّل” الحقيقي لترامب يتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل من “خام برانت”، وأنَّ الرئيس الأميركي يُدركُ احتمالية أن تُلحِقَ سياسةُ “أُحفُر يا صغيري أُحفُر” التي يَتَّبِعُها الضَّرَرَ بصناعةِ النفط الأميركية.

ويكتب: “من المؤكّد أنَّ ترامب يُرجّحُ أن يكونَ قلقه بشأنِ ارتفاع أسعار النفط أكثر من انخفاضها الشديد، لكن يُتَوَقَّع منه أن يتصرّفَ بطريقةٍ ما إذا انخفضت الأسعار عن حدّ الاستثمار”.

يُصنّف الرئيس الأميركي النفط، عن حق، بالقوة التي يُقدّرها، ولا بدّ أن الأمرَ الذي يُثيرُ استياءه هو أنه لا يستطيع أن يأمُرَ الصناعة الأميركية برَفعِ أو خفض إنتاج النفط بالطريقة التي يفعلها القادة الروس والسعوديون.

في الواقع، يُمكنُ رؤية كيف يُقدَّمُ تحالف الدول الثلاث الكبرى، في ذهن ترامب، على أنه إنجازٌ تاريخي ذو أهمية عالمية. ولكن ما فائدة الدولتين الأخريين فيه ومنه؟

بالنسبة إلى روسيا -التي يُفترَضُ أنها ترغبُ في الحصول على أكبرِ قدرٍ مُمكنٍ من عائدات النفط بأسرعِ وقتٍ مُمكن- قد يُصاحب مثل هذا الاتفاق رفعُ العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة بعد غزو أوكرانيا، بل وحتى دراسة أكثر إيجابية من جانب واشنطن لشروط أي تسوية سلمية هناك.

تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحنين بعد مكالمته الهاتفية مع ترامب في الشهر الماضي، وأخرى هذا الأسبوع، عن محادثةٍ ثلاثية ضمّته والرئيس الأميركي والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في العام 2020، وخلص إلى أنَّ “مثل هذا الشكل لا يزال مطلوبًا اليوم”.

بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فإنَّ فوائدَ اتفاقِ الدول الثلاث الكبرى ليست واضحة للوهلة الأولى. فقد تحمّلت نصيبَ الأسد من التخفيضات التي بدأت مع اجتماع العام 2020، والتي أخذت الآن في التراجع ببطء. وعلى الرُغم من أنَّ بعضَ المحلّلين حدّدَ السعر غير الرسمي المُستَهدَف للنفط السعودي عند أكثر من 100 دولار للبرميل، فإنَّ المملكة كانت مرتاحة بشكلٍ معقول مع الأسعار في النطاق نفسه الذي حدده بوركارد باعتباره نطاق هدف ترامب – 70 إلى 80 دولارًا.

يمكن للمملكة العربية السعودية الاعتماد على تصنيفها الائتماني القوي في أسواق رأس المال العالمية -الذي رفعته وكالة “ستاندرد آند بورز” أخيرًا إلى A+- للمساعدة على سدِّ أيِّ فجوةٍ تمويلية في برنامج التحوُّل الوطني لرؤية 2030.

من ناحية أخرى، يُمكن لترامب أن يُقدّمَ للمملكة مزايا أخرى أيضًا. يتساءل بوركارد: “هل ستكون المملكة العربية السعودية على استعداد للتنازل عن أسعار النفط أو إنتاجه إذا تمَّ ربطه بالتعاون في مسائل الأمن في الشرق الأوسط؟”.

وكما يُدرك ويعلم، “لا يزال هناك الكثير من الأمور الخاطئة” في سيناريو الدول الثلاث الكبرى. إنَّ عملية السلام في أوكرانيا بعيدة كل البُعد من أيِّ اتفاقٍ نهائي، وقد يوقف ترامب التقارب الأميركي مع بوتين، وقد لا ترغب السعودية في مقايضة مكانتها الحالية كقوة رائدة في أسواق النفط العالمية بمكانتها كأكبر منتج داخل “أوبك”.

لكن بالنسبة إلى رئيسٍ أطلق فكرة “ريفييرا غزة”، وغيّرَ إسم “خليج المكسيك” إلى “خليج أميركا”، وطالب بكندا كي تكون ولاية أميركية رقم 51، وبشراء “غرينلاند”، فقد يكونُ “كارتل” الدول الثلاث هو مشروع الإرث الكبير المقبل.

غابريال طبراني، كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

غبريال طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب”. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه: gabrielgtabarani.com أو عبر تويتر على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى