إقتصادالاحدث

“بين الوفرة والعوز: كيف تطور الدول الغنية والفقيرة استراتيجيات الذكاء الاصطناعي؟ قراءة في حالة لبنان” | بقلم د. جنان جهاد قاسم

يتم طرح موضوع الذكاء الاصطناعي ضمن أبرز التقنيات التي تساهم في تسريع وتيرة التحولات العالمية مما يدفع العديد من الدول الى الانخراط في مجالات الذكاء الاصطناعي وتبني استراتيجيات وطنية لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي. وتشيرتقارير الدول التي بدأت تستثمر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي الى ان نمو الناتج المحلي الاجمالي يشهد اضافة سنوية تتراوح بين 1.5% و 3% تزامنا مع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. ازاء ذلك، لم نشهد استراتيجية وطنية متكاملة على صعيد لبنان للاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي رغم امتلاكه لكوادر جامعية نشطة والعديد من الشركات التقنية الناشئة. وبخصوص الادبيات الاقتصادية الحديثة فقد أكّدت على مساهمة الذكاء الاصطناعي في زيادة مؤشرات النمو الاقنصادي اضافة الى خلق فرص عمل في القطاعات الاساسية من صحة الى تعليم وزراعة وطاقة.

يطرح هذا المقال دراسة مقارنة لتجارب خمس دول في مواكبة الذكاء الاصطناعي، هذه الدول هي: الصين، الامارات العربية المتحدة، سنغافورة، تونس ورواندا. هذه الدول تنقسم الى نموذجين مختلفين، دول ذات موارد مالية عالية واخرى بقدرات تمويلية محدودة. ويسعى المقال الى ملاحظة السيناريو اللبناني بثغراته وتحدياته والاستفادة من هذه النماذج لتطبيق الذكاء الاصطناعي في لبنان ضمن امكانياته المحدودة.

نتائج الدراسة
التجارب الدولية الرائدة
الصين: أطلقت الصين عام 2017 خطة وطنية بعنوان “الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي” وتم تمويل هذه الخطة بمبلغ تجاوز 70 مليار دولار امريكي حتى عام 2023. وقد ساهمت هذه الخطة بخلق فرص عمل جديدة بحدود اكثر من 10 ملايين فرصة عمل اضافة الى زيادة انتاجية القطاع الصناعي بنسبة تخطت 20%.

سنغافورة: أقدمت الحكومة على اذخال الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي والتخطيط الحضري وانفاق اكثر من 150 مليون دولار اميركي في هذه المشاريع مما ادى الى تحسين فعالية القطاع الصحي بنسبة 15% وانخفاض الازدحام المروري بنسبة 30%.
الامارات العربية المتحدة: تم انشاء اول وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017 واستثمرت في مجال الذكاء الاصطناعي نفقات تجاوزت 2.15 مليار درهم اماراتي مما انعكس الى ارتفاع مؤشر رضا المواطنين بنسبة 25% ومضاعفة عدد الشركات الناشئة في المجال ضمن فترة 4 سنوات.

تجارب دول ذات موارد محدودة
رواندا: رغم مواردها المحدودة سعت الى التعاون مع منظمات دولية ومع القطاع الخاص لتطوير الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي وعملت على تدريب 5000 شاب على تقنيات الذكاء الاصطناعي. بلغ التمويل الخارجي اقل من 30 مليون دولار.
تونس: بدعم من الاتحاد الاوروبي أطلقت الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2021-2025 مما ادى الى تأسيس مركز وطني للذكاء الاصطناعي بتمويل مشترك 30% حكومي و 70% تمويل خارجي.

تحليل وضع لبنان:
شهد لبنان في الاونة الاخيرة العديد من المبادرات الايجابية في تطورات الذكاء الاصطناعي، فلبنان يمتلك طاقات بشرية هائلة اضافة الى المبادرات الجامعية الواعدة التي اقدمت على تفعيل علم الذكاء الاصطناعي وتدريس علوم البيانات والشركات الناشئة وقد تم اطلاق بعض المبادرات الايجابية على صعيد لبنان مثل انشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عام 2025 مما عكس الوعي والادراك لاهمية الذكاء الاصطناعي ولكن هذه الوزارة لا تحظى بالدعم المالي المطلوب مما يعرقل اصدار استراتيجية وطنية شاملة ومتكاملة اضافة الى افتقار لبنان إلى قوانين حماية البيانات الشخصية والحوكمة الرقمية، ومحدودية التطبيقات الحكومية ونقص البنى التحتية. أضف الى ذلك ان اغلب المبادرات مجتمعية وخاصة.

ويُعتبر تطوير البُنى التحتية وتأمين التمويل من التحديات الأساسية التي تواجه وزارة التكنولجيا والذكاء الاصطناعي في الوقت الحالي، أضف الى ذلك الحاجة الى اعادة تصميم أساليب العمل والمعاملات الإدارية، وهذا الامر يتطلب تدريب الموظفين وتحديث وتطوير الأنظمة بما يتماشى مع التقنيات الحديثة ومن المهمات الاساسية للوزارة هو تحديد استراتيجة لتطوير التكنولوجيا الحديثة في القطاعات المختلفة وتطوير الاقتصاد التكنولوجي.

ما هو السبيل إلى تطوير الذكاء الاصطناعي ضمن امكانيات لبنان المحدودة؟
ان تطبيق الذكاء الاصطناعي في كل من قطاعات الصحة عبر تحسين الرعاية الصحية في المناطق النائية، والزراعة عبر تقليل الخسائر وزيادة المحاصيل، وأنظمة التعليم عبر تطوير قدرات الطلاب من دون بنى تحتية كبيرة هو اولوية مع ضرورة دعم المواهب المحلية ودعوة الادمغة المهاجرة الى المشاركة في المبادرات المحلية عبر حوافز رمزية. وبخصوص المشاريع الكبرى فتمويلها يحتاج الى شراكات خارجية لذلك يجب الاستفادة من الشراكات الاقليمية مع مؤسسات مثل البنك الدولي وشركات التكنولوجيا العالمية فضلا عن اليونسكو.

اذن لم يعد الذكاء الاصطناعي نوع من انواع الترف بل هو ضرورة لنهوض الدول النامية. ورغم كل العوائق والتحديات يمكن للبنان بناء بيئة ذكاء اصطناعي منخفضة الكلفة مستندًا على الامكانات البشرية والمعرفية ومستفيدًا من الشراكات والمنظمات الدولية ويمكن للبنان الاستفادة من نماذج الدول ذات الموارد المحدودة مثل استونيا ورواندا بدلا من النظر فقط الى الدول ذات الموازنات الضخمة مثل الصين والامارات.

د. جنان جهاد قاسم

جنان جهاد قاسم _دكتوراه في الاقتصاد، محاضرة في الجامعة وكاتبة اقتصادية ناشطة في المجال الإعلامي. أؤمن بأهمية نشر الوعي الاقتصادي وتعزيز الفكر النقدي حول القضايا المالية والتنموية. أسعى دائمًا إلى تقديم محتوى علمي مبسط وموثوق، بهدف تمكين الأجيال الجديدة من فهم التحديات الاقتصادية والمساهمة في بناء مستقبل مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى