السّيّد المسيح في وجدان الموحّدين الدّروز | بقلم فاروق غانم خدّاج
نستعرض نظرة الموحّدين الدّروز للسّيّد المسيح عليه السّلام، بكلّ ما تحمله من تقديس، ومحبّة، وإجلال. نكشف عن المقامات الّتي تُنسب إليه، والعلاقات الرّوحية والإنسانيّة الّتي جمعت بين الموحّدين وأتباع الإنجيل، لا سيّما في ضوء العلاقة التّاريخيّة الهادئة مع الفاتيكان.

ليس في قلوب الموحدين الدّروز موضع إلّا للمهابة والتّقدير حين يُذكر اسم السّيّد المسيح، عليه السّلام. فهم يرونه روح الله وكلمته، من مقامٍ سامٍ، ونفخة طاهرة جاءت بمعجزة، حاملة للرّحمة والموعظة، مشّعة بالحكمة والحقّ، كما تجلّت في كتب الله المنزلة.
يعرف الموحّدون أنّ الدّيانات الكبرى، في جوهرها، من معينٍ واحد؛ لذا فإنّهم لا يفصلون بين رسالةٍ ورسالة، ولا بين نبّيٍ ونبيّ، بل يرون في كلّ رسول مرآةً لنور الحقّ. ومن بين هؤلاء، يبرز السّيّد المسيح بمكانة رفيعة، لما جسّده من تسامح، وتضحية، وشفقة على النّاس، حتّى في أقسى الظّروف.
وقد عبّر الموحّدون عن تقديرهم هذا لا بالمشاعر فحسب، بل أيضًا بالمكان والرّمز؛ ففي منطقة الشّوف وراشياّ والجليل، توجد مقامات شريفة تُنسب للسّيّد المسيح عليه السّلام، يتوافد إليها الموحّدون وأبناء الطّوائف الأخرى، بخشوعٍ ومحبّة، ويعتبرونها محطّات للتّبرّك والسّكينة والتأمّل الرّوحي.
وعبر التّاريخ، نسج الموحّدون علاقة خاصّة مع معتنقي الدّيانة المسيحيّة، لا تشوبها سوى المحبّة والتّقدير المتبادل. فقد جمعتهم الجيرة الطّيّبة، كما جمعهم الإيمان العميق بالمحبّة والسّلام. ولعلّ العلاقة الهادئة والاحترام المتبادل الّذي لطالما ميّز علاقة الموحّدين بالفاتيكان ومؤسّساته، دليل على فهمٍ روحيّ متبادل، يتجاوز الطّقوس ليبلغ جوهر الرّسالة السّماويّة.
وفي تعاليم التّوحيد، يُنقل أنّ مَن آمن بالإنجيل بإخلاص وسلك سلوك المسيح، فهو من أهل المقام، وله التّقدير العالي والرّحمة. ولهذا، لطالما خاطب الموحّدون معتنقي الإنجيل بلقب “أهل الإنجيل”، مقرونًا بالاحترام، مؤمنين بأنّ الله يهدينا جميعًا من منابع مختلفة إلى غاية واحدة.
وإنّه يُروى في مجالس التّوحيد، وعند أصحاب الحكمة، حديث طويل عن السّيّد المسيح، عن زهده في الدّنيا، وعن آياته في شفاء المرضى وبعث الموتى بإذن الله، وعن وقوفه شامخًا بوجه الظّلم، صابرًا في المحنة، وهادئًا في وجه الخيانة، وناصحًا بحبّ الأعداء، والعفو عند المقدرة. كلّ ذلك يجعل صورته محفورة في وجدان الموحّدين كرمزٍ للإشراق الرّوحي والنّقاء الإنسانيّ.
لا يسأل الموحّد عن صلبٍ أو فداء، ولا يخوض في الجدال اللّاهوتي الّذي فرّق المذاهب، بل يكتفي بتوقير ما لم يُكشف سرّه، ويسلّم لما خفي عن العقل، ويؤمن أنّ لله في خلقه أسرارًا، وأنّ السّيّد المسيح كان آية منها، ورسالة حبّ إلى البشريّة.
وفي تعاليم التّوحيد، يُنقل أن مقامات الأولياء والأنبياء لا تُقاس بالظّاهر، بل بما أودعه الله فيهم من نور ومعرفة. والسّيّد المسيح، في هذا الإطار، هو من أولي العزم، ممّن اختارهم الله ليكونوا منارات في درب البشريّة الطّويل نحو الخير والسّلام.
وكم يتأمّل الموحّد في قوله: “طوبى للودعاء، فإنّهم يرثون الأرض.”
فيجد فيه درسًا خالدًا.
من أقوال السّيّد المسيح الّتي توازي روح التّوحيد:
“أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم.”
“لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض… بل اكنزوا لكم كنوزًا في السّماء.”
“الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله.”
“من أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا.”
هكذا يرى الموحّدون السّيّد المسيح: نبيًّا كريمًا، ومثالًا للسموّ، ووجهًا من وجوه الحقّ الإلهي. لا يُذكر اسمه إلا مقرونًا بالسّكينة، ولا تُروى سيرته إلا بخشوع. فمن اعتاد على مخاطبة الله بقلب خاشع، لا بدّ أن يجلّ من أرسله الله بالكلمة الطّيّبة والموعظة الحسنة..




