
في الشرق الأوسط، لا تُحسَب الأعمار بالسنين، بل بعدد الحروب، والانهيارات، والانفجارات، والانبعاثات من جديد. في هذه الرقعة الملتهبة من الأرض، التي اختلطت فيها الجغرافيا بالجيوبوليتيك، والدين بالسلاح، والهوية بالقهر، يُمارس الناس فنًّا لا يُدرّس في الجامعات: فن بناء الجنة داخل الجحيم.
الجحيم… لا حاجة لوصفه
نحن لسنا بحاجة لوصف الجحيم. هو حاضر في نشرات الأخبار، وفي وجوه الأطفال النازحين، وفي المرافق العامة التي لم تعد عامة، وفي الدول التي صارت أوهامًا مؤسسية تنهشها الطائفية أو الفساد أو الاحتلال أو التخلي الدولي. الجحيم في الشرق الأوسط ليس فقط الحروب، بل في تطبيعها. حين تصبح الحرب خلفيةً صامتة لحياة يومية “طبيعية”، نكون قد بلغنا عمق الجحيم النفسي والمعنوي.
الجنة… لحظة إنسانية في قلب المحنة
لكن وسط هذا الركام، يولد العناد الإنساني. كأن النفس تقول: “لن أُسحق، سأُبدع”.
– في مخيم بائس، طفل يرسم عالمًا بألوانٍ لا يمتلكها.
– في بلد محاصر، مهندس يُبدع طريقة جديدة لتوليد الكهرباء من القمامة.
– في ظل نظام قمعي، فنان يُخفي لوحته تحت سريره، ويُحمّلها على الإنترنت باسم مستعار لتصل العالم.
– في مجاعة، امرأة تخبز خبزها الممزوج بالحكايا كي لا يموت أولادها من الذاكرة قبل الجوع.
هذه هي الجنة: معنى يُنتزع من اللا معنى.
ليست مكانًا جغرافيًا، بل فعلًا مقاومًا.
هي أن تقول: أنا أستحق الكرامة، حتى لو لم يعترف لي أحد بها.
سياسة “العيش رغمًا عنهم.”
الشرق الأوسط ليس فقط مسرحًا للصراع، بل مختبرٌ للتجريب البشري الأقصى.
– القوى العظمى تمارس وصايتها.
– الأنظمة تستمد شرعيتها من الرعب.
– القطاع الخاص ينهب حيث يتمكن.
– والمؤسسات الدولية… تدير الأزمة لا تحلها.
لكن وسط ذلك، يخترع المواطن العربي سياسة بديلة: سياسة “العيش رغمًا عنهم”.
إنها اللاعنف الساخر، والفكاهة السوداء، والحب رغم الألم، والعمل رغم البطالة، والإيمان رغم الخذلان.
هي مقاومة الحياة اليومية، لا على جبهات القتال، بل في مطبخ فقير، أو صف دراسي دون سبورة، أو ورشةٍ فوق ركام.
الخلاصة: فلسفة شرق أوسطية جديدة.
بناء الجنة داخل الجحيم ليس رومانسية، بل ضرورة وجودية.
حين تُسلب منك كل وسائل القوة، تبقى لك الإرادة والمعنى.
إنها ليست دعوة للتعايش مع الجحيم، بل لتجاوزه بإبداعٍ رافض، يُربك الطغاة والمحتلين والمستعمرين الجدد.
الشرق الأوسط لا يحتاج فقط إلى تسويات سياسية، بل إلى اعتراف عالمي بأن شعوبه ليست مجرد ضحايا، بل مبدعون داخل النار.
«أحيانًا، لا نملك ترف النجاة… فنخترع معنى للحريق.»
— مجهول من بلاد محترقة
«إن أجمل الجنان، تلك التي تُزرع في أرضٍ رفضها الجميع.»
— من دفاتر الشرق العصيّ




