
في حديث مع نحَّاتة لبنانية شابة، قالت لي إِنها تسعى إِلى إِقامة معرض فردي لها في الخريف، وإِنها فوجئَت بمعظم غاليرات بيروت ممتلئةَ المواعيد لكامل الموسم المقبل.
وفي حديثي إِلى الـمُخرجة جوزيانّ بولس، مديرة مسرح “مونو” في المدينة، قالت لي إِنها من زمانٍ أَقفلَت روزنامة مواعيدها لهذا الموسم، وبدأَتْ تُقْفلها للموسم المقبل 2025-2026.
ومن متابعتي نشاطَ الكونسرفاتوار الوطني، لم تتوقَّف أُمسياته الموسيقية الأُسبوعية مع الأُوركسترا الفيلهارمونية، كما حديثًا مع الأُوركسترا الشرق عربية، متنقلة بين كنائسَ في المدينة، لأَن الكونسرفتوار لم يحظَ بعدُ بمكان لائق ثابت دائم له، في انتظار أَن ينتهي بناء مُجَمَّعُه الخاص في مارينا ضبيه (قريبًا؟!) وفيه أَكثر من صالة للأُمسيات الموسيقية.
والأَرقام التي خلُصَ إِليها مهرجانُ الكتاب اللبناني (أنطلياس) دلَّت على عدد مرتفع من التواقيع والكُتُب المباعة طوال أَيام المعرض، والإِصدارات الكثيرة الجديدة من دور النشْر اللبنانية، إِلى الندوات المنبرية اليومية واحتفالات تكريم أَعلام الثقافة في لبنان.
هذا الأَعلاه ليس للتعداد الأُفُقي بل للعبْرة: إِنها بيروت المشعَّةُ ثقافيًّا بجمهورها الواسع التشكيلي والمسرحي والموسيقي والأَدبي، ودومًا تغصُّ الأَمكنة بروادها إِلى المواعيد أَعلاه، كأَنما بيروت الثقافة منفصلةٌ إِشاحةً إِراديةً عن بيروت السياسة.
ها هي بيروت تعود… إِلى وجهها البهيّ تعود.. إِلى ريادتها الرائعة تعود… وإِلى استقطابها أَهلَ الثقافة والإِبداع، لبنانييهم والآخرين، لتعودَ عاصمتُنا مدينةَ الفكر والثقافة والفنون، وتتأَلَّقَ من جديدٍ لؤْلؤَةً نادرةً على خصر المتوسط وفي ذاكرة الشرق.
وأَكثر: تُطل علينا إِبداعات علْمية لا تقلُّ أَبدًا عن تلك الثقافية. ففي “نهار” أَمس قرأْتُ عن نجاح الطبيب اللبناني الدكتور زكي سليمان (المتخصص في الجراحة النسائية والتوليد والجراحة بالمنظار لدى المركز الطبي التابع للجامعة اللبنانية الأَميركية LAU) إِذ اجترح لصبيَّةٍ أَعضاءَ تَهَبُها الأُمومة – كانت منذ الولادة مفقودةً من جسدها بتَشَوُّه خَلْقيّ – وهي عملية جراحية دقيقة تجري للمرة الأُولى لا في لبنان فقط بل في العالم.
ومن النجاحات العلْمية اللبنانية الأُخرى قرأْتُ أَمس في الصحف عن شاب وشابة من لبنان (أَنطوني بركات وريتا السمعاني خرّيجَي كلية الفنون في الجامعة اللبنانية) فازا بالمرتبة الأُولى في المسابقة السنوية الثامنة عشْرة لمدينة دنفر (كولورادو) تبارى لها نحو 200 مهندس معماري من أَنحاء العالم (المرتبة الثانية لمهندسة معمارية فرنسية، والثالثة لفريق مهندسين معماريين أَميركيين).
أَيضًا وأَيضًا لأَقول إِن لبنان الإِبداع في كلِّ حقلٍ معرفيٍّ هو هو لبنانُ الوطنُ الحقيقي: الأَرقى والأَنقى والأَبقى من لبنان الدولة التي سلطتُها الحاكمةُ تتخبَّط يوميًّا بمشاكل أَمنية وسياسية وعسكرية تجعل لبنان مطمَح الخارج أَن يتدخَّلَ في شؤُوننا ويحاولَ السيطرة على مفاتيح مفصلية من حاضر بلادنا ومستقبلها.
وفيما نتابع حولنا نهضة الدول الإِقليمية عمرانًا وسياحةً ومعالِـمَ، نَجدُنا غارقين في مشادَّات سياسية تُعيق انطلاقة العهد الجديد المعوَّل عليه، بفضل أَركانه الجُدُد، إِخراجُنا من الاختناق وسط تجاذبات سياسيين ما زالوا يزاولون إِقطاعاتهم القَبَلية للفوز بانتخاباتٍ مقْبلة يَخشون، بعد سقوطهم الفاجع، أَن تُضْعف من مقاعدهم نيابيًّا وبلَديًّا، والأَهم الأَهم: شعبيًّا.
لذا، خلاصةً وتكرارًا، أَدعو المتنوِّرين من شعبنا إِلى عدم التلهي بمتابعة (ومساندة) هذا أَو ذاك من الاصطفافات السياسية، والانتماء الكامل إِلى متابعة (ومساندة) لبنان الوطن المبدع الذي يُنَصِّع صورتَنا بنجاحاته الرائعة على أَرضه وفي العالم.