
البارحة في تشييع ومأتم زياد الذي شاهدته من هناك، من آخر الدني، حيث أسمع “ردّني الى بلادي” بلا كلل وبلا استجابة، شاهدت اللبنانيين بكل أطيافهم “مشيو سوى” و “حبّو بعضن” على امتداد البلاد لتوديعه. رأيتهم لأول مرة بعد ثورة 17 تشرين 2019 في ثورة متجددة، مليئين بنفس الفرح والغضب، اليأس والأمل، بالأبية والسخرية، يكرّرون كما قبل خمس سنوات أقوال زياد ويعجبون بأن هذا القول أو ذاك الذي “ظبط” أيضاً كما توقعه زياد “العبقري النبي يا شيخ!” ومن سنين!
اليوم راح من كان يشبهنا، طبق الأصل عنّا، ونحن كنا نظنه يبزّنا في إبداعه المسرحي الموسيقي والتأليفي نصاً لحناً عزفاً وروح النكتة الساخرة بمرارة، المضحكة حتى طقّ الخواصر. كان يشبهنا بأمه وأبيه وعمّه وأولاد أعمامه الكثر والمبدعين مثله، مثلنا. وأخيراً يشبهنا بموته كما يموت أحبابنا الذين كنا نصلّي كل عمرنا أن نسبقهم الى حتفنا، حتى لا يؤذينا موتهم أذية موت زياد!
زياد فيروز عاصي الرحباني رحل هذا الصباح، ذلك المساء، تلك الظهيرة، لحظة علم كل منّا برحيله، وبكى بدمع أو بدونه، ثم تمالك نفسه وضبط جأشه وقال بجلل: “حرام فيروز”، “الله يساعد فيروز”. تلك الست التي نزلت عن عرشها الملوكي لتصبح أماً، أماً لبنانية! ذلك العرش الذي شيّدناه لها في قلوبنا على مرّ الزمن نحن وأمثالنا عبر العالم العربي والعالم أجمع. ولكلم سمعنا نحن المقيمين الأبديين في وطن الآلام الجُلجلة، المهاجرين الأبديين، بل المنفيين في أصقاع الأرض الأربعة: “أنت لبناني؟ شو طيّب الأكل اللبناني، شو بحب صوت فيروز، شو بحب أغاني فيروز، وزياد الرحباني، إبنا. وجبران خليل جبران”
فيروز أصبحت بلحظة الآف الأمهات اللبنانيات اللواتي مات أفلاذ أكبادهن قبلهن، فيروز أم ككل الأمهات، لا يعزينا ذلك ولا نحسن تعزيتك، يا سيدتنا. كيف ذلك ونفس الحياة مات فينا ولو للحظات، من لحظة علمنا بخبر رحيله؟! رحيل زياد الرحباني، بالأحرى رحيل زياد، هكذا نسميه كنا ونبقى حين “ينده” أحدهم بالإسم أمامنا، حتى لو كان زياد أخر وكانوا زيادات آخرين.
يشبهنا؟ لا! وأمه تشبه أمهاتنا؟ لا! نحن صحيح نبدع بالحياة بالاستمرار بتوصيل الكهرباء بتأمين المياه بتربية الولاد بتسفير “الولاد ليتعلموا” في الخارج من الصين لروسيا لفرنسا لأميركا للخليج، ليس مهماً! المهم “يروحو” من هون! لو بقينا كالعود اليابس على فراقهم. وأولادنا بعدنا يكملون المسيرة، ويرسلون أولادهم الى بقاع الأرض، ونجلس جدة وأم وأب وجد بلا أولاد “نمزمز” قهوتنا اللبنانية (وهي تركية بس قهوتنا أطيب من قهوة الأتراك اللي اخترعوها)، نخبر أخبارهم، نفخر بهم وبهن (خاصة)، ونقول أحياناً ” ولك بتتذكر شو قال زياد؟” “إيه إيه هيدي بمسرحية بالنسبة لبكرا شو؟” السؤال السهل الممتنع الذي لا يحسن اللبنانيون وحدهم وعنوة عن غيرهم بالإجابة عليه. لأنه بين الأمس الذي طُرح علينا فيه السؤال وغده يحصل ما يمنعنا من تنفيذ ما بتنا عليه من قرار وتدبير للغد.
لا نشبه فيروز (إسم العلم بلا كنية) ولا نشبه زياد (إسم العلم بلا كنية)! بعضنا مبدع، مؤلفة موسيقية، شاعر، كاتبة، مفكّر، مغنية أو ممثل، لكننا لا نشبه لا فيروز ولا زياد ولا نحب أن نشبههما، لأننا نريدهما لنا، أكبر منّا، أعلى منّا يترفعون عنّا، معنا في أحاديثنا ودردشاتنا، صباح مساء وظهيرة، ومعنا خاصة في حبنا في ألامنا في لحظات فراقاتنا الصعبة كذلك. عسى الآن “الآن الآن وليس غداً” يا فيروز نعزيك صامتين وتسمعين، نرافقك من بعيد في رحلة وداعه، أبنك إبننا. راح بغفلة من الزمن، بغفلة منّا.
البارحة لما أعادوا بث أغنية “سألوني الناس عنك يا حبيبي” التي ألفها لأمه وهو في السابعة عشر من عمره، يوم غاب أبيه عن المسرح مريضاً في المستشفى، ووقفت أمه تغني وحدها دون عاصي لأول مرة على ذلك المسرح، البيكاديللي على ما أظنّ، صدّقتُ موت زياد ونسبتُ “حبيبي” في مطلع الأغنية له وليس لعاصي. وتمنيك في قلبي أن ننسى هذه الأغنية، أن تنساها فيروز ولا تغنيّها ولا يعاد بثّها ولا يُسمعها أحدنا إياها بالصدفة! راح زياد بعد ما راح شادي في بداية الحرب. كثير على امرأة واحدة، على أم واحدة وليس لديها “لا أب ولا أم ولا عمة”، أو عم” تشكي لهم.
بعد شادي راح عاصي، وبعد عاصي راحت ليال، وبعد ليال راح منصور، وبعد منصور راح الياس، وبعد الياس راح زياد!
بقيت ريما، وكانت جنب أمها في المأتم والتشييع لتطمئنا نحن وليس فيروز بأنها لن تكون وحدها في هذا المصاب الكبير. ريما التي لمّا كانت صغيرة “تتنوبر” و”تنقنق” لإنها نعسانة لكنها ما “بتحب النوم” لتسهر مع أهلها وتضحك و”تتغندر” ويمكن “تترقوص” على صوت الموسيقى والأغاني و”تغّل” بإمها أو بييها أو بعمها أو بخييها الكبير، زياد. كم نمنا يا ريما وهدأ روعنا وخفتَ صراخنا حين غنّت لنا فيروز بصوت أمّنا: “يلّلا تنام ريما، يلّلا تحب النوم”.
لا تشبهنا فيروز ولا عائلة الرحباني! لكننا نسخة عنهم كلهم بأحيائهم وأمواتهم … فنحن بشر يضحكون من أهلهم من نفسهم ويفخرون بهم في آن، كما علّمنا زياد الجريء الحرّ البطل حتى مصارعة الموت! نضحك لمآسينا حتى “تهون” ونردّد: “كل الاحتمالات واردة يا حجة” ونسمع “الصابونة” “صابوني” لنهرع للنجدة، ونطلب لقاء رئيس الجمهورية لأن لدينا الحل الناجع لحرب لبنان، لحروبه، لأننا لبناني من “الشعب العنيد”، وأحياناً “أرمني لبناني، ستيريو”. مجنون يسمعه العاقل ويعجب به يصدّقه أكان عربياً أو أعجمياً. هذا ما علّمنا إياه زياد وفيروز وعاصي ومنصور والياس وسليلتهم، عن بلد الحلم غير الموجود بل “أبدلوه لنا” بقرينه الكابوس على قول مفكرينا الواقعيين والمرحوم زياد أولهم.
راح شادي..
لا راح زياد!
وإندهلو ما يسمعني
ويبعد يبعد بالوادي
ومن يومها ما عدت شفته..
راح زياد! طيبّت الأرض ثراك، حبيبي، حبيبنا، وأعطى الله أمك وأختك وأخيك المريض الحسّاس الصبر والسلوان وأعطانا نحن أيضاً لو فتات منهما، إن بقي. لا قدرة لنا على تعزية فيروز على هول مصابها ولا نريد أن ندّعي مشاركتها الصبر والسلوان ولو فتات منهما، إن بقي!
لكننا هنا بقلوبنا إن عزّ حضورنا، معك يا ست الكل، ستنا كلنا، نشارك بالدفن والوداع، لو عن بعد في لبنان وأصقاع الأرض أجمعين. خلينا بعد شوي، معك، خليّنا “شوي بيفلّلو” بنبقى نحن وأنت وصوتك الذي يهدأ من روعنا نحن، لو سمحت!




