اجتماعالاحدث

مارون عبود والدروز: وثاق القلم والقلب في جبال لبنان | بقلم فاروق خداج

يظل الأديب والمفكّر اللبناني مارون عبود (1886–1962) نموذجًا للمثقف العضوي، الذي يربط بين الفكر والفعل، ولا يكتفي بالمشاهدة أو التحليل، بل يعيش مع واقعه ويشارك في تشكيله. وقد جسدت علاقته بطائفة الموحدين الدروز نموذجًا للتعايش الحقيقي، القائم على المعرفة المباشرة، والاحترام العميق، والموقف الأخلاقي الصادق.

1. الجذور الواقعية: سبعة وعشرون عامًا في عاليه

أمضى عبود 27 عامًا من حياته (1914–1941) في بلدة عاليه في جبل لبنان، وهي منطقة ذات غالبية درزية. هناك، لم يكن مجرد معلّم أو كاتب، بل أصبح جارًا وصديقًا مشاركًا في الحياة اليومية، يتعرّف على عاداتهم وتقاليدهم، ويشاهد قيمهم النبيلة من شجاعة وكرم ووفاء. هذه التجربة منحته معرفة حميمة بالواقع، تتجاوز الصورة النمطية للطائفة، وتمنحه قدرة على الكتابة عنها من موقع المعايشة والخبرة الحقيقية.

2. التلمذة والأبوة الروحية: علاقته بالشيخ هاني باز رضوان

لم تكن معرفة عبود بالدروز معرفة سطحية، بل شملت علاقات شخصية عميقة. أبرزها علاقته الوثيقة بـالشيخ هاني باز رضوان، أحد رجال الدين البارزين في الطائفة.

ففي مدرسة عاليه، لاحظ عبود نبوغ التلميذ هاني باز وتميّزه، ولم يقتصر دوره على التعليم الأكاديمي، بل قام برعاية موهبته وشخصيته، مشجعًا إياه على السير في المسار العلمي والديني. هذه العلاقة تطورت إلى ما يشبه الأبوة الروحية، وظل عبود فخورًا بإنجازات تلميذه، بينما رأى باز في أستاذه نموذج المثقف المنفتح والمتسامح. هذه العلاقة الشخصية توضح أن احترام عبود للدروز كان إنسانيًا ووجدانيًا، لا مجرد موقف نظري أو سياسي.

3. قصيدة “قالوا الدروز”: دراسة شاملة

تجسدت ذروة احترام عبود للدروز في قصيدته الشهيرة “قالوا الدروز” التي ألقاها في عاليه عام 1950. وقد جسدت القصيدة شجاعة الدروز، كرَمهم، ومروءتهم، ودورهم كحُماة الجبل ومصدر العزة والفخار.

نص القصيدة:

قالوا الدروز فقلتُ جيل معرق
العقل دين والوفاء الموثقُ
والصدق شرعتهم فإن عاهدتهم
بروا، وإن نطقوا بأمر يصدقوا
خلق الأسود متى يمس حماهم
وسخاء حاتم طيء إن يطرقوا
تمت مروءتهم فإن ناديتهم
طاروا إليك عصائب تتدفق
ربضوا بباب الشرق خير ضراغم
تحمي العرين فأين منه الأبلقُ
غنت سيوقهم أناشيد شجت
قلب العروبة واستعز المشرقُ

تحليل أبيات القصيدة:

الوفاء والصدق: “جيل معرق العقل دين والوفاء الموثق” يشير إلى أن دينهم هو الوفاء المطبق في الواقع العملي.

الشجاعة والمروءة: “خلق الأسود” و”سخاء حاتم طيء” يرمزان إلى شجاعتهم وكرمهم، مع مقارنات تاريخية عربية.

الدفاع عن الوطن: “ربضوا بباب الشرق خير ضراغم، تحمي العرين” يبرز دورهم كحماة الجبل.

الانتماء العربي: “غنت سيوقهم أناشيد شجت قلب العروبة” يعكس دمهم العربي وانتماءهم الحضاري.

هذه القصيدة ليست مجرد مديح عاطفي، بل بيان فلسفي وأدبي، يوضح موقف عبود الأخلاقي والثقافي تجاه الطائفة.

4. تقديم كتاب “أصل الموحدين الدروز وأصولهم”

تجلّى احترام عبود الفكري للطائفة في تقديمه لمقدمة كتاب “أصل الموحدين الدروز وأصولهم” للمؤلف أمين طليع (بيروت: دار الأندلس، 1961). هذه المقدمة بحث أكاديمي محكم يعكس فهمًا عميقًا لتاريخ الدروز، مدافعًا عنهم ضد التهم المغرضة، وداعيًا إلى دراسة واقعهم وفق مصادرهم ومنطقهم، لا عبر أقوال خصومهم.

5. الرمزية الشخصية: اسم “محمد” وصدى الوحدة

أحد أسمى تجليات موقف عبود الأخلاقي كان تسمية ابنه المولود عام 1926 باسم “محمد”، في أجواء طائفية متوترة. لم تكن هذه التسمية مجرد اختيار عشوائي، بل رسالة رمزية تؤكد أن الانتماء للوطن والقيم الإنسانية يتجاوز الانتماءات الطائفية. وقد أشاد بها مثقفون كبار، ومنهم أمين الريحاني، الذي لاحظ في مراسلاته ومقالاته تقديره لموقف عبود.

6. خلاصة

علاقة مارون عبود بالدروز تمثل نموذجًا متكاملًا للتعايش المبني على:
1. المعرفة الواقعية من الحياة اليومية الطويلة.

2. التقدير الأدبي الذي خلّد قيم الطائفة في الشعر والنصوص.

3. الموقف الأخلاقي الذي تجسد في رعاية الأفراد والرموز الأسرية.

عبود لم ينظر إلى الدروز كـ”آخر”، بل كجزء أصيل من هوية لبنان المتعددة. علاقته بهم وثيقة خالدة في سجل الأدب اللبناني، تثبت أن جبال لبنان لم تكن مصدرًا للجمال الطبيعي فقط، بل أيضًا لأجمل قصص الاحترام والمحبة والوحدة الوطنية.

المصادر والمراجع
1. عبود، مارون. أحاديث القرية. القاهرة: مطبعة المعارف، 1956.

2. عبود، مارون. وجوه وحكايات. بيروت: منشورات دار الصيداوي، 1957.

3. طليع، أمين. أصل الموحدين الدروز وأصولهم. بيروت: دار الأندلس للطبع والنشر، 1961.

4. من مقالات مارون عبود المنشورة في مجلة الآداب البيروتية في مطلع الخمسينيات.

5. روايات شفهية ومعطيات تاريخية متداولة في الأوساط الثقافية والعائلية في عاليه وجبل لبنان، تتعلق بعلاقة عبود بالشيخ هاني باز رضوان.

6. صيدح، جورج. مارون عبود: أديب الأجيال. بيروت: دار الثقافة، 1963.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى