ازمة لبنانالاحدث

استبداد الرداءة: من التشخيص إلى استعادة المعنى | بقلم الأب ألبر حبيب عساف

قراءة في انهيار المعايير ومسارات الخروج

ليس جديدًا أن تصل الرداءة إلى السلطة، لكن الجديد أن تتحوّل إلى نظام حكم متكامل، وإلى ثقافة عامة، وإلى معيار ضمني لإدارة المؤسسات والعلاقات.
ما يمكن تسميته اليوم بـ“استبداد الرداءة” ليس مجرد انحراف أفراد، بل بنية سلطوية تقوم على إقصاء الكفاءة، وتقديس الولاء، وتطبيع اللامعيار، وتهميش الفكر لصالح الطاعة.
في هذا النمط من الحكم، تُستبدل القيمة بالقرب، والمعرفة بالانتماء، والضمير بالامتثال. ويغدو الرياء مهارة، والكذب وسيلة إدارة، والبؤس شعارًا يُرفع باسم الواقعية. هكذا، حين يبلغ الجاهل موقع القرار، لا يكتفي بإضعاف المؤسسة، بل يعيد تشكيلها على صورته: يضطهد العقلاء، ويهمّش الرصينين، ويحيط نفسه بأمثاله، فينشأ ما يشبه الحلقة المغلقة للرداءة، حيث يُكافأ التفاهة ويُعاقَب العمق.
هذا المشهد ليس غريبًا عن تحليلات الفكر السياسي. أفلاطون حذّر منذ قرون من حكم غير المؤهّلين، واعتبر أن المدينة تفسد حين يتقدّم الأدنى ويُقصى الأجدر. ابن خلدون رأى في تغليب العصبية على الكفاءة بداية خراب العمران. أما حنّة آرنت فذهبت أبعد حين كشفت أن أخطر أشكال الشر لا تصدر دائمًا عن طغاة واعين، بل عن بشر عاديين تخلّوا عن مسؤوليتهم الأخلاقية، وقبلوا أن يكونوا أدوات صامتة داخل منظومات منحرفة.
غير أنّ استبداد الرداءة لا يعيش فقط على القمع، بل على الصمت والتطبيع. حين يعتاد الناس الرديء، ويتعاملون معه كأمر واقع، يتحوّل الانحراف إلى قاعدة، ويُفرغ الحق من مضمونه. عندها لا يعود الاستبداد بحاجة إلى عنف مباشر، لأن الخضوع يصبح داخليًا، والخوف يتحوّل إلى ثقافة.
من هنا، فإن السؤال لم يعد توصيفيًا بل عمليًا: كيف يُكسر هذا النمط؟ وكيف يُستعاد المجال العام فضاءً للعقل والكرامة؟
كسر استبداد الرداءة لا يتحقق بانفعال ظرفي ولا بخطاب أخلاقي مجرد، بل بمسار إصلاحي متدرّج يطال الضمير والمؤسسة والثقافة في آن معًا.
البداية تكون باستعادة الشجاعة الأخلاقية. فكل منظومة فاسدة تقوم على تحويل الأفراد إلى أدوات. مقاومة الرداءة تبدأ من رفض هذا الدور، ومن التمييز بين الطاعة المشروعة التي تحفظ النظام، والخضوع المُذلّ الذي يُلغي الضمير. استعادة الحس النقدي ليست ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء إنساني.
لكن الضمير الفردي، مهما كان حيًّا، يبقى هشًّا إن لم يُدعَم بتضامن عقلاني. من خصائص الرداءة أنها تعزل أصحاب الفكر والخبرة وتدفعهم إلى الانكفاء أو الصمت. لذلك فإن تفكيكها يقتضي بناء شبكات بين الكفاءات. العقل الفردي يمكن تهميشه، أما العقل الجماعي فيصعب إقصاؤه. التاريخ يعلّمنا أن التحوّلات الكبرى لم تبدأ بأكثريات صاخبة، بل بأقليات نوعية متماسكة.
وفي قلب هذه المواجهة تبرز ضرورة إعادة ضبط المعايير. استبداد الرداءة يعيد تعريف القيمة: القرب يصبح معيارًا، والولاء كفاءة، والطاعة فضيلة مطلقة. كسره يقتضي إعادة الاعتبار إلى بديهيات مغيّبة: الموقع العام وظيفة لا امتياز، الكفاءة شرط لا خيار، والنقد مشاركة لا خيانة. المؤسسات التي لا تُحكم بمعايير شفافة تتحوّل سريعًا إلى دوائر مغلقة.
غير أنّ المسألة ليست أخلاقية فحسب، بل قانونية أيضًا. فالتعسّف في استعمال السلطة، وإقصاء الكفاءات، والتمييز غير المبرّر، هي انتهاكات صريحة لمبادئ المساواة والكرامة كما كرّستها المواثيق الدولية. السلطة الحديثة تخضع للمساءلة، وكل سلطة لا تُسائل تتحوّل تدريجيًا إلى أداة إقصاء. من هنا أهمية تفعيل آليات الرقابة والطعن، وضمان حرية التعبير داخل المؤسسات.
ولا يمكن تجاهل البعد التربوي. فالاستبداد لا يُنتج فقط من القمّة، بل أحيانًا من قاعدة اعتادت التبعية. كسر الرداءة يقتضي تنشئة جديدة تقوم على التفكير النقدي، وترسيخ قيمة الجدارة، وتحرير الضمير من الخوف الجماعي. المدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والإعلام ليست محايدة في هذا الصراع.
ويبقى للمثال الشخصي قوته الخاصة. في البيئات التي تهيمن عليها الرداءة، قد يبدو الإصلاح مستحيلًا. غير أنّ نموذجًا واحدًا ثابتًا على الاستقامة قادر على إحداث شرخ في أكثر البنى انغلاقًا. الأنظمة الرديئة تخشى النماذج، لأنها تكشف هشاشتها.
استبداد الرداءة لا يُكسر بانقلاب فجائي، بل بتراكم إصلاحي يعيد الاعتبار إلى ثلاث ركائز: العقل معيارًا، القانون ضابطًا، والضمير رقيبًا. وحين تُحمى الكفاءة، ويُصان الاختلاف، وتُفعّل المساءلة، يستعيد المجال العام معناه.
فالمجتمعات لا تنهار بسبب قلّة الأذكياء، بل بسبب اغتيال العقلاء.
وكسر الاستبداد يبدأ يوم نقرّر أن نحمي العقلاء، وأن نمنحهم مساحة الفعل، لا أن نطلب منهم الصمت.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى