ازمة لبنانالاحدث
التضخّم في لبنان مخاطر وحلول | بقلم محمود شحادي
التضخم في لبنان وغلاء الأسعار كارثة حقيقية

فوفقاً للكتاب المرفق سأعطيك الجواب بدقة حسابية عن النسبة التراكمية للتضخم، ثم تفسيرًا اقتصاديًا واقعيًا.
أولًا: النسبة التراكمية للتضخم حتى نهاية 2025
المنهجية العلمية الصحيحة: التضخم التراكمي لا يُجمع جمعًا بسيطًا، بل يُحسب تراكميًا وفق الصيغة: المعامل التراكمي = حاصل ضرب (1 + معدل التضخم السنوي) لكل سنة
اعتمادًا على الأرقام الواردة حرفيًا في تقرير إدارة الإحصاء المركزي، إضافة إلى معدل 2025 البالغ 14.8%، فإن النتيجة هي:
1. معامل التضخم التراكمي من 2013 حتى 2025 ≈ 80.05
2. أي أن مستوى الأسعار ارتفع بنحو: حوالي 7,905% تراكميًا
3. بمعنى أوضح: سلعة كانت كلفتها 100 ألف ليرة عام 2013، أصبحت تقارب 8 ملايين ليرة في 2025
هذا رقم صادم، لكنه دقيق حسابيًا ومطابق للواقع المعيشي.
ثانيًا: لماذا استمر التضخم رغم استقرار سعر الصرف؟
هنا النقطة الجوهرية التي يخطئ فيها كثيرون.
استقرار سعر الصرف لا يعني تلقائيًا تراجع التضخم، للأسباب التالية:
1. التضخم في لبنان لم يعد تضخم عملة فقط في 2020–2022 كان التضخم سببه الرئيسي انهيار سعر الصرف أما بعد 2023، فقد انتقلنا إلى تضخم هيكلي Structural Inflation
2. التسعير بقي مبنيًا على “سعر صرف وقائي” التجار لا يسعرون على سعر الصرف الحالي، بل على: سعر صرف متوقع هامش مخاطر احتمال عودة الانهيار وهذا يؤدي إلى تصلب الأسعار نزولًا Price Stickiness
3. غياب المنافسة الفعلية اقتصاد استيرادي احتكارات فعلية أو مقنعة ضعف الرقابة ما يمنع انتقال أي تحسن نقدي إلى المستهلك
4. ارتفاع كلفة التشغيل الحقيقية حتى مع ثبات الدولار: الكهرباء الخاصة النقل الصحة التعليم الرسوم كلها تُسعر بالدولار النقدي أو بما يعادله وهذا يُبقي الضغط التضخمي قائمًا
5. تصحيح الأجور المتأخر رفع الأجور بعد الانهيار (ولو جزئيًا) خلق تضخم طلب محدود لكنه مستمر Demand-pull inflation
6. انعدام الثقة بالسياسة النقدية الناس لا تُصدق أن الاستقرار دائم فتُسرّع الاستهلاك وتُخزّن وترفض خفض الأسعار وهذا بحد ذاته عامل تضخمي نفسي Behavioral Inflation

ثالثًا: الخلاصة الصريحة
1. لبنان يعيش تضخمًا تراكميًا كارثيًا تجاوز 7,900% خلال 12 سنة
2. استقرار سعر الصرف أوقف الانفجار، لكنه لم يعكس المسار
3. الأسعار لن تنخفض تلقائيًا دون: إصلاح بنيوي منافسة قضاء اقتصادي سياسة دخل واضحة
4. ما نعيشه اليوم هو “تضخم مستقر عند مستوى مرتفع” وليس تعافيًا
رابعًا: مراجع معتمدة إدارة الإحصاء المركزي – لبنان تقارير CPI السنوية IMF Lebanon Country Reports World Bank Lebanon Economic Monitor Blanchard, O. Macroeconomics – Inflation dynamics IMF Working Papers on Post-crisis Inflation Persistence
ما الحل لتخفيض التضخم الى نسبة معقولة وكيف يتم تعويض الخسائر الناتجة عن التسعير المضخم الغير مبرر.
سأقدّم خطة حكومية احترافية، واقعية وقابلة للتنفيذ، مبنية على تجارب دول خرجت من تضخم مفرط، مع آلية واضحة لتعويض الخسائر دون شعارات شعبوية أو ضرب للاقتصاد.
أولًا: الهدف الاستراتيجي
1. خفض معدل التضخم إلى 5% سنويًا كحد أقصى خلال 24 شهرًا
2. حماية القدرة الشرائية للطبقة الفقيرة والمتوسطة
3. تصحيح الخلل السعري غير المبرر دون إفلاس التجار أو ضرب الاستثمار
4. إعادة الثقة بالسوق والعملة والدولة
ثانيًا: الإطار العام للخطة
الخطة تقوم على 4 محاور متكاملة: السياسة النقدية السياسة المالية سياسة السوق والمنافسة سياسة التعويض الاجتماعي العادل
أي فشل في أحدها يُسقط الخطة كاملة.
ثالثًا: المحور الأول – السياسة النقدية (مسؤولية مصرف لبنان)
1. تثبيت نقدي موثوق وليس شكلي إصدار تعهد رسمي مشترك (حكومة + مصرف لبنان) بعدم: تمويل العجز طباعة نقد بلا تغطية فرض ضرائب نقدية استنسابية
2. إدارة كتلة النقد M1 وM2 تخفيض الكتلة النقدية بالليرة تدريجيًا تشجيع التحول إلى الدفع الإلكتروني سحب فائض الليرة عبر أدوات مالية قصيرة الأجل
3. سعر فائدة حقيقي موجب الفائدة يجب أن تتجاوز التضخم المتوقع لمنع الهروب إلى الدولار والمضاربة
النتيجة المتوقعة: خفض التضخم النقدي إلى أقل من 3% خلال سنة
رابعًا: المحور الثاني – السياسة المالية (قلب المعالجة)
1. موازنة متوازنة فعليًا وقف أي إنفاق غير منتج إلغاء الصناديق الرديفة دمج المؤسسات المتشابهة
2. تحويل الضرائب من استهلاك إلى ريع خفض TVA على السلع الأساسية رفع الضرائب على: الاحتكارات الريوع العقارية الأرباح الاستثنائية الفوائد الكبيرة
3. تسعير عادل للخدمات العامة الكهرباء والمياه والاتصالات: تعرفة اجتماعية للشرائح الضعيفة تعرفة تجارية واقعية للشرائح القادرة
النتيجة: خفض تضخم التكاليف Cost-push inflation
خامسًا: المحور الثالث – سياسة السوق والمنافسة (المفتاح الحقيقي)
1. قانون المنافسة يُفعّل لا يُعلّق إنشاء هيئة مستقلة بصلاحيات قضائية غرامات فورية على: التسعير الوقائي التواطؤ الاحتكار
2. تسعير مرجعي شفاف إصدار مؤشر كلفة استيراد أسبوعي ربط أسعار السلع بهامش ربح معلن أي تجاوز يُعتبر ربحًا غير مشروع
3. فتح الاستيراد الموازي كسر الوكالات الحصرية السماح بالاستيراد المباشر للجمعيات التعاونية
4. دعم الإنتاج المحلي الذكي دعم مدخلات الإنتاج لا الأسعار إعفاءات ضريبية مؤقتة تأمين طاقة أرخص للمنتجين
النتيجة: كسر تصلب الأسعار نزولًا خفض الأسعار الفعلية دون صدمات
سادسًا: المحور الرابع – التعويض العادل للمواطن (الأهم أخلاقيًا)
هنا نكون صريحين: لا يمكن رد كل الخسائر، لكن يمكن تعويض جزء عادل منها.
1. إنشاء صندوق العدالة التضخمية يمول من: ضريبة أرباح استثنائية على كبار التجار والمستوردين ضريبة على الفوائد الكبيرة استرداد أرباح غير مبررة مثبتة رقابيًا
2. تعويض مباشر ذكي دفع نقدي شهري محدود بطاقة دعم غذائي وصحي دعم تعليم ونقل
موجه فقط إلى: الطبقة الفقيرة الطبقة الوسطى الدنيا
3. تعويض غير نقدي طويل الأمد تأمين صحي مدعوم تعليم رسمي مجاني فعلي نقل عام مدعوم
هذا التعويض لا يخلق تضخمًا جديدًا لأنه: ممول من فوائض قائمة ومحدد السقف ومؤقت زمنيًا
سابعًا: كيف يُعوّض التجار دون ظلم المواطن؟
1. لا تعويض على الغلاء غير المبرر أي ربح فوق الهامش العادل لا يُعوض
2. تعويض التاجر الملتزم فقط عبر: إعفاءات ضريبية مؤقتة تسهيلات ائتمانية منخفضة الفائدة خفض كلفة الطاقة والنقل
3. شراكة لا مواجهة التاجر الملتزم يصبح شريكًا بالخطة والمخالف يُحاسب بلا تردد
ثامنًا: الجدول الزمني الواقعي
خلال 6 أشهر: خفض التضخم إلى 8–9%
خلال 12 شهرًا: الوصول إلى 6–7%
خلال 24 شهرًا: الاستقرار عند 5% أو أقل
تاسعًا: الخلاصة الصادقة
1. التضخم في لبنان ليس قدرًا
2. المشكلة ليست تقنية بل سياسية – مؤسساتية
3. التعويض ممكن دون إفلاس الدولة
4. العدالة الاقتصادية شرط للاستقرار النقدي
مراجع علمية وتجارب مقارنة: IMF Inflation Stabilization Programs World Bank Post-Crisis Price Stabilization OECD Competition Policy and Inflation تجربة البرازيل بعد 1994 تجربة تركيا 2001–2005 Blanchard and Johnson, Macroeconomics تقارير إدارة الإحصاء المركزي – لبنان




