ازمة لبنانالاحدث

القضاء المحصّن المحدّث هو الإطار الأمثل لإنقاذِ العدالةِ من تعثّرِها | بقلم العميد المتقاعد د. عادل مشموشي

الكلام عن تعثّرِ تحقيقِ العدالةِ في لبنان لم يعد مجرّد نقاشٍ نظري محصورٌ بين غرفٍ مغلقةٍ، إنما خرج إلى العلنِ، وأضحى مدعاةً للقلقِ حِيال مصيرِ الحقوقِ المنتهكةِ وتطبيقِ القانونِ وحِمايةِ المعتدى عليهم ومساءلةِ المرتكبين وكبارِ المجرمين. الأمر الذي ولّد انطباعاً لدى عموم اللبنانيين أن العدالة شبه مفقودة، ذلك لأن الجهاز القضائي المناط به حصراً مسألة صونِ سِيادةِ القانون وإحقاقِ الحقِّ وضمانِ الحقوق، بظروفِهِ الراهنة وإمكاناتِهِ المحدودةِ أعجز من أن يقوم بدورهِ في ظلِّ الظّروفِ الاستثنائيّةِ الراهِنة.

 

ويعزِز هذا الاعتِقاد، تلك المقاربات القضائيّة المربكة التي اعتمِدت حيال العديدِ من قضايا الفسادِ وغيرِها من القضايا الهامّة، وفي طليعتِها انفجار مرفأ بيروت والذي دمّر قرابة ثلث أحياء العاصِمة، والانفجار الثلاثي الأبعاد (مالي ونقدي ومصرفي) الذي أطاح باحتياطِ مصرفِ لبنان وأضاع أموال المودعين، ومكّن أصحاب الرّساميلِ غير المشروعةِ من تهريبِها إلى الخارج. ناهيك عن تراكمِ القضايا العالِقةِ أمام مختلفِ المحاكم وتكدّس الملفاتِ أمام مختلِفِ المراجِعِ القضائيّة، والأمر الذي أدّى ويؤدِّي إلى تأخّرِ الفصلِ في معظمِ الملفّاتِ القضائيّة. كلّ ذلك يولِّد شعوراً متنامياً لدى المتقاضين بالإحباط، وينعكِس سلباً على ثِقةِ المواطِنين بالقضاء. هذا الواقع الأليم يثير تساؤلاتٍ مشروعةٍ حول مدى قدرةِ الجِهازِ القضائي في لبنان على تحقيقِ عدالةٍ منجزةٍ ومنصِفة، من دون إطلاقِ عملِيّةِ إصلاحٍ جذريٍّ للجِهازِ القضائي، تجعل منه جِهازاً عصرِيًّا على قدرِ التّحديات.

 

إن أيّة مقاربةٍ جديّة ومسؤولةٍ لهذا الواقِعِ لا يمكن أن تقوم على منطِقِ التّعميمِ أو الإدانة الشّامِلة، ولا على تحميلِ القضاة ومساعديهم، كأفراد، مسؤولِيّة أزمةٍ تتجاوزهم في أسبابها وحدودِها. فالقاضي اللبناني يمارِس مهامه في ظِلِّ ظروفٍ قاهرةٍ بالمعنى القانوني والعملي، تبدأ من غيابِ البيئةِ المادِّيّةِ واللوجِستِيّة الملائمةِ للعملِ القضائي، ولا تنتهي عند التّدخّلاتِ السِّياسِيّةِ والضّغوطِ الإعلامِيّةِ والانقِساماتِ السِّياسيّةِ التي انعكست على الجِسمِ القضائي ذاته. أقول ذلك لأن معظم قصورِ العدل مترهِّلةٌ ولا يتوفّر فيها الحد الأدنى من معاييرِ السّلامةِ والأمن، وتعاني من إهمالٍ مزمِن في الصِّيانةِ والتّجهيزِ وتفتقد إلى البنى التّحتيّةِ وتعاني من انقطاعٍ شبه مستمر للكهرباء والمياه، كما أن مكاتب القضاة بمعظمِها لا توفِّر الحدّ الأدنى من الخصوصِيّةِ والتّركيزِ اللازِمين لإنجازِ عملٍ قضائيٍّ دقيقٍ ومسؤول، كما أن الأمكنة المخصّصة لأقلامِ مختلِفِ الدّوائر القضائيّة غالِباً ما تكون غير مؤهلةٍ لاستيعابِ الكمِّ الهائلِ من الملفّاتِ المكدّسة وغير المؤرشفة. ويضاف إلى ذلك، غياب الأنظِمةِ المعلوماتِيّةِ المتكامِلة، وتراجع رواتِبِ المساعِدين القضائيين وعمومِ الموظّفين الإداريين العاملين في مختلف الدّوائر القضائيّة، ما يجعل من الحديث عن عدالةٍ سريعةٍ ومنجزةٍ تحدّياً يومِيًّا يفوق الإمكاناتِ المتاحة.

 

يبرز، إلى جانب العواملِ الموضوعِيّةِ التي أشرنا إليها، خللٌ بنيوِيٌّ لا يقِلّ خطورة، يتمثّل في عدم نجاعةِ الأساليبِ المعتمدةِ في إدارةِ الملفّاتِ القضائيّةِ حيث يثقل النّمط البيروقراطيٍّ إدارة المعاملاتِ وملفّاتِ الدّعاوى. فما يزال معظم المحاكمِ خاضِعٌ لأنظِمةٍ تقليدِيّةٍ قائمةٍ على المستنداتِ الورقِيّة، وتحكمها تسلسلِيّة إدارِيّةٌ معقّدة، ويبطِئها تّعدّد الحلقاتِ الإجرائيّةِ غير المبرّرة، ما يؤدي إلى إعاقةِ سيرِ الإجراءاتِ والفصلِ في القضايا، ويجعل الوصول إلى الملفّاتِ مهمّةً شاقّةً أحياناً حتى بالنِّسبةِ للقضاةِ ومساعِديهِم. وفي كثيرٍ من الحالات، تتحوّل الإجراءات إلى غايةٍ بحدِّ ذاتِها، ويفرّغ العمل القضائيّ من ديناميكِيّتِه، بحيث تستنزف الجهود في الشّكلِيّات والدّفوع الإجرائيّة وصعوبات التّبليغ، وسوءِ تنظيمِ سوقِ الموقوفين… إلخ، كلّ ذلك مجتمِعاً يؤدِّي إلى إعاقةِ سيرِ الملاحقاتِ وإطالةِ أمدِ النِّزاعات، على حِسابِ حقوقِ المتقاضِين وحِسنِ سيرِ العدالة.

 

هذا النّمط الإداريّ المترهِّل يؤدِّي إلى تراكمِ الملفّاتِ وتكديسِها أمام مختلِفِ المراجِع القضائيّة، ويولِّد شعوراً بأن العدالة باتت رهينة الزّمنِ والقدرةِ على التّحايلِ بمناوراتٍ إجرائيّةٍ أكثر مما هي نتاج قوّةِ الحِجّةِ القانونِيّة. كما أن افتقاد الإدارةِ القضائيّةِ للمرونةِ والتّخصّصِ والحداثةِ يجعلها غير قادرةٍ على مواكبةِ أداءِ القضاةِ وتحريرِهِم من الأعباءِ الإدارِيّةِ غير القضائيّة، لكي يتفرّغوا لجوهرِ الأعمالِ المناطةِ بهم، أي الفصل في النِّزاعاتِ وتطبيقِ القانون بروحِيّةِ الإنصافِ والعدالةِ الموضوعِيّةِ المتجرِّدة، بدل جعلِهِم أسرى تفاصِيلٍ تنظيمِيّةٍ تستهلِك وقتهم وجهدهم، وتحدّ من قدرتِهم على الفصلِ في المنازعاتِ المثارةِ أمامهم.

 

تدعونا تلك التّحدِّيات إلى مقاربةِ هذا الواقعِ بقدرٍ من الإنصافِ والموضوعِيّة، وبالتالي الإشارة إلى الجهودِ التي بذلها مجلِس القضاءِ الأعلى مؤخّراً، في حدودِ الصّلاحِيّاِت والإمكاناتِ المتاحةِ له، لتحسينِ صورةِ القضاءِ وتعزيزِ ثِقةِ الرّأي العام به. فقد سعى المجلس إلى تحسين أوضاعِ القضاةِ المادِّيّةِ كما أرسى قدراً من الشّفافِيّةِ والموضوعِيّةِ في المناقلاتِ القضائيّة، واعتِمادِ معايير أكثر توازناً تراعِي الكفاءة والخِبرة والانتاجِيّة وحِسنِ السِّيرة، مقارنةً بمراحِل سابقةٍ طغت عليها اعتِباراتٌ سِياسِيّةٌ وتدخّلاتٌ خارِجِيّة. كما دأب المجلِس الحالي على المناداةِ بتكريسِ استِقلالِيّةِ الجِهازِ القضائي للحدِّ من التّدخّلاتِ لدى القضاة، وفي هذا الإطارِ جاءت مواكبته لمسارِ مشروعِ قانون استِقلاليّةِ القضاء، ولم يغفِل تعزيز التّماسكِ ورفعِ المعنوياتِ داخِل الجِسمِ القضائي، وتحفيزِ القضاةِ على الإسراعِ في إنجازِ الملفّات. غير أن هذه الجهود، على أهمِّيتِها، تبقى غير ناجعةٍ ما لم تدرج ضِمن رؤيةٍ إصلاحِيّةٍ شامِلةٍ ومتكامِلة، تعالِج جذور الأزمةِ البنيوِيّةِ بدل الاكتِفاءِ بإدارتِها أو التّخفيفِ من حِدّتِها.

 

لم يعد بخافٍ على أحد أن إصلاح القضاء في لبنان لا يمكِن أن يتحقّق عبر إجراءاتٍ موضِعِيّةٍ أو تحسيناتٍ جزئيّة، بل يقتضي مقاربةً جذريّةً تبدأ بتصحيحِ فهمِ مصطلحِ العدالةِ باعتبارهِ عملِيّةً متكامِلةً لا تقتصِر على تطبيقِ النّصوص، بل تشمل البيئة المؤسّسِيّة، وآلِياتِ العمل، وأخلاقِياتِ المِهنة، والحوكمة، والتّفاعلِ مع متطلِّباتِ المجتمعِ وتحدِّياتِ العصر. فالعدالة الحقيقيّة لا تقاس فقط بسلامةِ الأحكامِ القضائيّةِ من الناحيّة الشّكليّة والقانونيّة، بل بصدورِها في مهلٍ معقولة، وبقابليّتِها للتّنفيذ، وبمدى شعورِ المتقاضين بأن حقوقهم ستعالج بإنصافٍ وحِياد.

 

ومما لا شكّ فيه، أنه في سياقِ تحقيقِ العدالة، يبرز استِقلال القضاء كلبنةٍ أساسِيّةٍ وشرطٍ لا بدّ منه، وإن يكن غير كافٍ، ذلك لأن استقلاليّة القاضي، وإن كانت تحصِّنه من التّدخّلاتِ، يجب لكي تؤتي أكلها أن تقترن بحوكمةٍ قضائيّةٍ رشيدة، تضمن الشّفافِيّة والمساءلة المِهنِيّة، وتحمي القاضي الجدِّي والنّزيه، وتحاسِب في المقابلِ على التّقصير الفادِحِ أو الانحِرافِ الوظيفي، بعيداً عن منطقِ الاستِنسابيّةِ أو التّسييس. كما أن الاستِقلالِيّة الحقيقِيّة لا تكتمِل من دونِ تحديثِ الإطارِ التّشريعي والإجرائي والتّنظيمي، على نحوٍ يحِدّّ من إساءةِ استِعمالِ الدًّفوعِ الشّكلِيّة، ويوازن بين حقوقِ الدِّفاعِ ومتطلِّباتِ العدالةِ الحقيقِيّة.

 

ويعدّ تحقيق التّوازنِ بين العدالةِ الناجِزةِ والعدالةِ المنصِفةِ من أعقدِ التّحدِّياتِ التي تواجِه القاضي اللبناني. فالعدالة الناجِزة تفرض تسريع الفصلِ في القضايا ومنع المماطلة حِمايةً لحقوقِ المتقاضِين وللاستِقرارِ السياسي والاقتِصادي والاجتِماعي والأمني، في حين تتطلّب العدالة المجرّدة تمحيص الوقائعِ وتحليل الأدلةِ ومراعاة الخصوصِيّاتِ الإنسانيّةِ والاجتِماعِيّةِ للأطراف. ويكمن التّحدِّي الحقيقي في قدرةِ القاضي على التّوفيقِ بين هذين البعدين، بحيث لا تتحوّل السّرعة إلى ظلم، ولا يتحوّل التّمحيص إلى تعطيلٍ للحقوق.

 

ولا يمكن بلوغ هذا التّوازنِ، في ظِلِّ عصرِ تكنولوجيا المعلومات، من دونِ تحديثِ آلِيّات العملِ القضائي واستِغلالِ التِّقنياتِ الرّقمِيّة، ولا سِيّما في إدارةِ الملفّات، والتّبليغات، وتبادلِ اللوائح، وإجراءِ بعضِ الجلساتِ عن بعد، ضِمن ضوابط قانونِيّةٍ تضمن مشروعِيّة الإجراءاتِ وحقوق الدِّفاع. فالتّحديث الرّقميّ لم يعد ترفاً إدارِيًّا، بل أداةً أساسِيّةً لتخفيفِ العِبء البيروقراطي، وتسريعِ الإجراءات، وتمكينِ القاضي من التّركيزِ على جوهرِ النِّزاعِ بدل الغرقِ في التّفاصيلِ الشّكلِيّة. كما أن اعتِماد هذه الوسائلِ يسهِم في الحدِّ من ظواهِرِ التّهرّبِ من التّبليغات، وتأخيرِ الجلسات، وضياعِ المستندات، ويعزِّز الشّفافِيّة وقابلِيّة التّتبّعِ والمساءلة.

 

ويسهم التّطوير التِّقنيّ في تفعيلِ الحوكمةِ القضائيّة برقمنتِها، باعتِبارِهِا ضمانةً لنزاهةِ السِّلكِ القضائي وشفافِيّةِ أدائِه، وحصانةً له في مواجهةِ الضّغوطِ السِّياسِيّةِ والإعلامِيّةِ وغيرها. فالقاضي الذي يعمل ضمن منظومةٍ واضِحةِ المعايير، حديثةِ الأدوات، وشفّافة الإجراءات، يكون أكثر قدرةٍ على مقاومةِ التّأثيراتِ الخارِجِيّة، وأقدر على إصدارِ أحكامٍ تستنِد إلى القانون وضميرِه المِهني، لا إلى مناخاتٍ شعبوِيّةٍ أو حملاتٍ إعلاميّةٍ ظرفيّةٍ ضاغِطة، وخاصّةً في ظلِّ تصاعدِ دورِ الإعلام ووسائلِ التّواصلِ الاجتماعي، والتي تحدّ من قدرةِ القاضي على الاحتكامِ إلى قناعةٍ متجرِّدة في الملفّاتٍ الحسّاسة.

 

إن تحقيق العدالةِ يتطلب مقاربةً شامِلة، تدمج بين الاستِقلالِ القضائي والتّحديثِ الإداري والحوكمةِ الشّفافة وأخلاقِيّاتِ المِهنِيّة، وتوفيرِ ظروفِ عملِ ملائمةٍ للقضاة ومساعِديهِم. فالقضاء المحصّن الذي تتوافر له هذه المقوِّمات يكون قادراً على مواجهةِ التّحدِّياتِ وتجاوزِ التّرهّلِ والبيروقراطيّةِ وإرساءِ العدالةِ وحِمايةِ الحقوقِ وصونِ الحرِّياتِ، وترميمِ ثِقةِ المواطنين بالدّولةِ ومؤسّساتِها، وعندها تتحول العدالة من مجرّدِ شِعارٍ إلى ممارسةٍ ملموسة، تعيد الاعتِبار لِسيادةِ القانون وتؤسِّس لاستِقرارٍ مجتمعي مستدام.

العميد الدكتور عادل مشموشي

عادل مشموشي محامي وعميد سابق في قوى الأمن الداخلي، حائز على دكتوراه في الحقوق، متخصص في القانون الجزائي لديه مؤلفات عدة: -ضمانات حقوق الخصوم ما قبل المحكمة -ضمانات حقوق الخصوم خلال المحاكمة أمام مختلف المحاكم الجزائية -الإرهاب (مفهومه أسباب ايديولوجياته أطر مكافحته) المخدرات (ماهيتها؟ أنواعها، إساءة التداول بها، أطر مكافحتها) - جرائم المعلوماتية - إدارة الأزمات والكوارث- التخطيط الستراتيجي. لديه عدد من الأبحاث القانونية والأمنية منها: -تببيض الأموال - محاكمة الرؤساء والوزراء -التحقيق الاول - الدفاع المشروع -المسؤولية الجزائية للهيئات المعنوية - جرائم الشخص المعنوي -المحرض -عقوبة الإعدام شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدولية ذات العلاقة في شؤون أمنية - قانونية. تولى رئاسة قطعات أمنية تعنى بمكافحة الجرائم المنظمة ومكافحة الفساد•

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى