تحليل مشروع قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها (نيسان 2025)

مرفق ملف مشروع المرسوم
مشروع قانون اصلاح وضع المصارف في لبنان واعادة تنظيمها
تقييم الإطار القانوني للمشروع
التماسك الدستوري والقانوني للنص
يظهر مشروع القانون كإطار تشريعي شامل لتعديل وتنظيم أوضاع القطاع المصرفي بعد أزمة 2019، جامعا بين نصوص قانونية متفرقة سابقة في قانون موحد. فهو يحل محل قوانين قديمة (مثل القانون رقم 2/67 والقانون 110/91 والقانون 192/93) عبر إعادة صياغة أحكامها ضمن إطار متماسك. هذه المقاربة تعزز التناسق القانوني الداخلي للنص وتسد ثغرات تشريعية كانت قائمة في منظومة قوانين المصارف اللبنانية. من الناحية الدستورية، يهدف المشروع إلى تحقيق 4 أهداف رئيسية حددتها المادة 2 منه، وهي: تعزيز استقرار النظام المالي، وضمان استمرار الوظائف الأساسية للمصارف، والسعي إلى حماية الودائع (على الأقل بالمبلغ المحمي قانونًا في حالة التصفية)، والحدّ من استخدام الأموال العامة في إعادة الهيكلة. هذه الأهداف بحد ذاتها تنسجم مع المصلحة العامة ومقتضيات الدستور في حماية الاقتصاد وحقوق صغار المودعين. ومع ذلك، قد تُثار تساؤلات دستورية حول كيفية تحقيق بعض هذه الأهداف عمليًا: فمثلاً حماية الودائع قد تتعارض مع مبدأ عدم المساس بالملكية الفردية إذا اقتضت إعادة الهيكلة اقتطاع جزء من الودائع الكبيرة دون تعويض كامل. لذا يجب تقييم أي اقتطاع أو تحويل مفروض على أموال المودعين الكبار بميزان الضرورة والمصلحة العامة تجنبًا لشبهة مخالفة أحكام حماية الملكية في الدستور.
من ناحية أخرى، تضمّن المشروع مادة انتقالية تنص على تأجيل نفاذ أحكام القانون إلى ما “بعد إنجاز كامل عمليات إعادة هيكلة المصارف” الناتجة عن الأزمة الراهنة. هذه الصياغة غير الاعتيادية تثير التساؤل حول مدى وضوح الترتيب الزمني والتشغيلي: فهي تعني أن تطبيق الإصلاحات القانونية الجديدة مرهون أولاً باستكمال عملية إعادة هيكلة القطاع (توزيع الخسائر وترتيب أوضاع المصارف المتعثرة) خارج إطار هذا القانون أو ضمنه ولكن قبل سريانه. قد يكون القصد منها إفساح المجال أمام معالجة مالية واستثنائية للفجوة الكبيرة في ميزانيات المصارف دون أن يرتب ذلك فورًا تبعات قانونية جديدة. إلا أن ربط سريان القانون بشرط مسبق غامض قد يؤثر على فعاليته ويخلق ضبابية قانونية، وربما يتعارض مع مبدأ نفاذ القوانين مباشرة بعد إقرارها ما لم يُنص على فترة سماح واضحة. ومع ذلك، إدراج هذا الشرط أتى على ما يبدو نتيجة ضغوط جمعية المصارف لتأكيد عدم تجاهل مسؤولية الدولة في الخسائر؛ حيث اعترضت الجمعية على إقرار القانون من دون معالجة واضحة لخسائر مصرف لبنان المحمولة على الدولة. بالتالي، ومن منظور التماسك القانوني، حاول النص تحقيق توازن دقيق بين تفعيل الإصلاح فوراً والحذر من إقراره قبل اتضاح كيفية سد الفجوة المالية، مما أدى إلى نص انتقالي استثنائي قد يكون عرضة للتأويل والجدل.
وضوح الصلاحيات الممنوحة للمؤسسات الرسمية
يوضح مشروع القانون توزيعًا دقيقًا للصلاحيات بين الجهات الرسمية المشرفة على القطاع المالي، مع تعزيز سلطات هيئات الرقابة بشكل غير مسبوق لضمان فعالية عملية الإصلاح. أبرز ما يتضمنه المشروع في هذا السياق هو منح لجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا صلاحيات واسعة للتدخل المبكر في أوضاع المصارف ومعالجة تعثرها قبل وصولها إلى حالة الإفلاس أو التوقف المفاجئ. فعلى سبيل المثال، تُمنح لجنة الرقابة (وهي الجهة التنظيمية المشرفة على سلامة المصارف) دورًا محوريًا في تقييم أوضاع كل مصرف وتصنيفه وفق معايير الملاءة والسيولة. كما تُعطى الهيئة المصرفية العليا (المؤلفة من حاكم مصرف لبنان ونائب الحاكم وقاضٍ وممثلين عن وزارة المال وجمعية المصارف وغيرها) صلاحيات تقريرية أقوى بشأن مصير المصرف المتعثر، مثل فرض خطط إعادة رسملة إجبارية أو وضعه قيد الحل. الجديد في الأمر أن القرارات الصادرة عن الجهة المختصة بإعادة الهيكلة (قد تكون الهيئة المصرفية العليا أو أي لجنة إعادة هيكلة تُنشأ بموجب القانون) تتمتع بحصانة قانونية تحول دون الطعن القضائي فيها. فقد نص المشروع صراحة على منع الاعتراض أو وقف التنفيذ لتلك القرارات أمام أي جهة قضائية، بهدف تمكين السلطات من التحرك السريع وتفادي عرقلة الإجراءات الإصلاحية. هذه الحصانة تعزز الوضوح في الصلاحيات وتضمن نهائية القرارات الإدارية المتخذة في سياق إعادة الهيكلة، لكنها في الوقت عينه قد تُثير تساؤلات قانونية حول مدى توافقها مع حق التقاضي المكفول دستورياً. فالحرص على عدم تعرض قرارات إعادة الهيكلة للطعن له ما يبرره لضمان الاستقرار المالي، إلا أنه يستوجب توفير ضمانات بديلة للشفافية والمحاسبة حتى لا تتحول الصلاحيات الواسعة إلى قوة اعتباطية. إجمالاً، يمكن القول إن النص حدد بوضوح من يملك سلطة التدخل في شؤون المصارف وكيف، ووزّع الأدوار بين مصرف لبنان (كجهة رقابية عليا) ولجنة الرقابة والهيئة المصرفية العليا بصورة متكاملة. هذا الوضوح يقلل تداخل الصلاحيات بين الجهات الحكومية والقضائية ويؤسس لإطار حوكمة جديد في التعامل مع الأزمات المصرفية، وهو جانب إيجابي يعزز متانة القانون من الناحية المؤسساتية.
آليات إعادة الهيكلة وشطب الرساميل أو حل المصارف
يطرح مشروع القانون آليات متعددة لإعادة هيكلة المصارف المتعثرة أو غير القابلة للاستمرار، مستندًا إلى أفضل الممارسات الدولية في مجال “معالجة المصارف” (Bank Resolution). هذه الآليات تهدف إلى التعامل العادل والفعال مع مختلف مكونات ميزانية المصرف (رأس المال والديون والودائع) عند إجراء التصحيح المالي. أبرز الأدوات المنصوص عليها تشمل:
شطب رساميل المساهمين الحاليين: كخطوة أولى لأي إعادة هيكلة، يخسر أصحاب الأسهم رؤوس أموالهم بالكامل أو جزء كبير منها لتحمّل الخسائر المتراكمة. وهذا الإجراء مبدئي أساسي لضمان عدم استمرار المساهمين بالاستفادة من مصرف مفلس على حساب الدائنين. عمليًا، يعني ذلك إلغاء قيمة الأسهم الحالية وتصفير رأس المال إذا تبين أنه تآكل بفعل الخسائر، تمهيدًا لإعادة رسملة المصرف بهيكلية جديدة.
الإنقاذ الداخلي (Bail-in): وهو أداة جوهرية أقرها المشروع، بحيث يتم إعادة توزيع الخسائر على دائني المصرف ومودعيه الكبار بعد المساهمين. بموجب هذه الآلية، يمكن تحويل جزء من الودائع (فوق حد معيّن) أو الديون غير المضمونة إلى أسهم في المصرف أو سندات طويلة الأجل. الهدف من ذلك هو تعزيز قاعدة رأس المال للمصرف المتعافي وتقليص التزاماته تجاه المودعين بما يتناسب مع خسائره، دون اللجوء إلى أموال الدولة. يحدد القانون ترتيبا صارما للأولويات في هذا الإنقاذ الداخلي: المساهمون أولاً ثم الدائنون الثانويون فالمودعون غير المحميين، لضمان العدالة وعدم المساس بحقوق صغار المودعين المحميين قانوناً. هذه الأداة معروفة دولياً وقد تم إدراجها صراحة في مشروع القانون كخيار رئيسي لإعادة الرسملة الذاتية.
بيع الأصول والممتلكات: ينص المشروع على إمكانية بيع بعض موجودات المصرف المتعثر أو نقلها إلى مؤسسة أخرى بغرض تسديد أكبر قدر ممكن من التزاماتها. قد يشمل ذلك بيع محفظة قروض سليمة لمصرف آخر، أو تسييل استثمارات المصرف وممتلكاته العقارية وغيرها. عائدات هذه المبيعات تُستخدم لسد فجوة الالتزامات تجاه الدائنين والمودعين. وبهذا يوفر القانون أداة لتقليص الفجوة المالية عبر تعبئة الموارد الذاتية للمصرف قبل تقرير أي شطب للودائع.
الدمج أو الاستحواذ: يفتح القانون الباب أمام دمج المصرف المتعثر مع مصرف آخر أو استحواذ مصرف قوي عليه. هذه الآلية تهدف إلى استمرار الخدمات المصرفية وعدم انقطاعها من خلال ضم المؤسسة الضعيفة إلى كيان أكثر متانة. الدمج قد يترافق مع إعادة رسملة وضخ أموال جديدة من المصرف المستحوِذ أو مستثمرين جدد، ما يخفف العبء عن الدولة. وينظم المشروع شروط الدمج بحيث تضمن حماية حقوق المودعين قدر الإمكان خلال انتقالهم إلى المصرف الدامِج، مع تحميل الخسائر لمساهمي المصرف الأصلي بالدرجة الأولى.
التصفية المنظمة (Bank Liquidation): في الحالات التي يتبين أن المصرف غير قابل للإصلاح أو الاستمرار، يتيح القانون خيار حلّه وتصفيته بشكل منظم تحت إشراف السلطات. في هذه الحالة، يتم إغلاق المصرف ووضع يده بيد مصفي مُعين، وتوزع أصوله المتبقية على الدائنين حسب مرتبة كل منهم في سلم الأولويات (بحيث ينال المودعون المحميون كامل حقوقهم أولاً). الجديد أن التصفية ستكون ضمن إطار هذا القانون وليس فقط عبر قانون الإفلاس العام، مما يوفر حماية أكبر للمودعين الصغار وسرعة في الإجراءات مقارنة بالتصفية القضائية التقليدية.
هذه الآليات مجتمعة تشكل صندوق أدوات مرن للتعامل مع أوضاع المصارف المختلفة. فالمشروع يفرض معالجة خاصة واستباقية لحالات تعثر المصارف، بدل تركها للإفلاس العشوائي. كما يُلزم السلطات بوضع معايير واضحة لتحديد مصارف قابلة للاستمرار من تلك التي يستوجب تصفيتها. ويبدو أنه يستوحي نموذج “المعالجة المبكرة” المعتمد في الأنظمة المصرفية الحديثة، حيث يتم تصنيف المصارف وتقويم ميزانياتها فور صدور القانون. ووفق ما ورد، سيتم استئناف عمل المصارف المصنّفة سليمة بعد إعادة إطلاقها، في حين تتخذ إجراءات جذرية (كالدمج أو الحل) بحق المصارف الأخرى تدريجيا. يجدر بالذكر أن المشروع يفصل بين مسار إعادة هيكلة القطاع ككل وتوزيع الخسائر التاريخية، ومسار تنظيم أوضاع المصارف وإعادة إطلاقها. هذا الفصل يعني أن القانون يركز على إعادة هيكلة المصارف إدارياً ووضع أطر المعالجة، بينما ترك التفاصيل التنفيذية لتوزيع خسائر الماضي (مثل فجوة مصرف لبنان) إلى خطط أو قوانين مكملة لاحقة. من منظور التشريع، هذه الآليات كافية نظرياً لمعالجة أي مصرف متعثر ضمن حدود موارده الذاتية، لكنها بالطبع ستختبر على أرض الواقع عند التنفيذ العملي وحجم الخسائر الفعلي في كل حالة.
تقييم الأثر المالي
الانعكاسات المباشرة على ميزانيات المصارف
من المتوقع أن يُحدِث مشروع القانون تغييرات جذرية في بنية ميزانيات المصارف اللبنانية فور بدء تنفيذه. أول تأثير فوري سيكون تنقية الميزانيات من الخسائر المتراكمة: فعبر شطب رؤوس الأموال الحالية للمساهمين المتضررين وإلغاء قيمة الأسهم التي تآكلت، سيتم تسجيل نقص حاد في جانب حقوق الملكية في ميزانيات البنوك المتعثرة، يقابله انخفاض مساوٍ في جانب الموجودات الوهمية (مثل الديون الهالكة على مصرف لبنان أو القروض المتعثرة). وبهذا تعود الميزانية للوقوف على أرضية صلبة مكونة من الموجودات القابلة للتحصيل والمطلوبات الواقعية فقط. بالنسبة للمصارف الأقدر على الاستمرار، سيُطلب منها على الأرجح زيادة رساميلها فورًا (إما عبر مساهمين جدد أو تحويل جزء من ودائع كبار المودعين إلى أسهم – أي Bail-in) لسد النقص واستعادة نسب الملاءة القانونية. وبذلك سترتفع حقوق المساهمين الجديدة (بما فيها الأسهم المحولة من ودائع) في الميزانية مقابل انخفاض جزء من المطلوبات (الودائع الكبيرة) الذي جرى تحويله أو اقتطاعه. هذا يعني أن ديون المصرف تجاه بعض المودعين ستنخفض محاسبياً لأنها تحولت إلى رأس مال مساهم أو أدوات دين طويلة الأجل، مما يقلص فجوة الخسائر في دفاتره.
من ناحية أخرى، المصارف غير القابلة للاستمرار ستواجه تصفية أو دمجًا، ما يعني إزالة ميزانياتها تمامًا من النظام المصرفي أو دمجها في ميزانيات مصارف أخرى. عند التصفية، تستخدم كافة أصول المصرف (نقدًا واستثمارات وقروض قابلة للتحصيل) لسداد قسم من ودائعه والتزاماته حسب الأولوية، ويتم شطب الباقي. هذا سينعكس على بقية المصارف أيضًا؛ إذ أن خروج مصرف مفلس من السوق قد يخفف الالتزامات المجمعة على القطاع ككل لكنه قد يولّد خسائر للمصارف الدائنة له إن وجدت. أثر آخر مهم هو إعادة تصنيف الودائع في الميزانيات: يتوقع أن يميز القانون بين الودائع المحمية (ضمن حدود الضمان) والتي ستظل تظهر كمطلوبات مؤكدة يجب سدادها بالكامل، وبين الودائع غير المحمية أو المشمولة بآليات الإنقاذ الداخلي، والتي قد تتحول إلى أسهم أو سندات. هذا يعيد تشكيل جانب المطلوبات في الميزانية ليصبح أكثر موثوقية من منظور المودع الصغير والدائن العادي، لكنه يعني أن المودعين الكبار سيتحوّلون جزئياً من دائنين إلى مساهمين أو حملة سندات في مصارفهم.
علاوة على ذلك، ينص المشروع على عدم استخدام الأموال العامة إلا بحدود دنيا في عملية إعادة هيكلة المصارف، ما يشير إلى أن الدولة لن تقدم دعمًا ماليًا كبيرًا لتغطية الخسائر. بالفعل، تفيد مسودة المشروع بأنه لم يتضمن من جهة الدولة سوى مساهمة محدودة جدًا (ذُكر أنها بحدود 2.5 مليار دولار تُضخ في مصرف لبنان) بالمقارنة مع فجوة تتجاوز 70 مليار دولار في ميزانيات المصارف. وبالتالي، لن تعتمد المصارف على أي تعويضات حكومية جوهرية للخسائر؛ بل سيتم تحميلها بالكامل داخل القطاع. هذا الواقع سيظهر ماليًا على شكل بقاء أصول المصارف منخفضة القيمة (خاصة توظيفاتها في مصرف لبنان) مسجلة في دفاترها بقيم منخفضة أو معدومة مقابل شطب قسم موازٍ من المطلوبات. في المحصلة، سينكمش حجم ميزانيات القطاع المصرفي ككل بشكل كبير ليعكس حقيقة انكماش موجوداته الحقيقية، بعد إزالة كل المبالغ غير القابلة للاسترداد. ورغم قسوة هذا الأثر، إلا أنه يعتبر خطوة ضرورية لإعادة بناء القطاع على أسس صحيحة. كما ستتحسن مؤشرات الملاءة والسيولة الظاهرية للمصارف المتبقية بعد إعادة الرسملة الداخلية، مما يمكنها من استعادة جزء من الثقة واستئناف عملها الرسمي وفق معايير رقابية مشددة.
معالجة الفجوة المالية بين الأصول والخصوم
الفجوة المالية الضخمة بين أصول المصارف وخصومها – الناتجة بشكل رئيسي عن خسائر مصرف لبنان وتراجع قيمة القروض بالعملات الصعبة – هي التحدي الأكبر الذي يتصدى له مشروع القانون. يقر النص ضمنيًا بحجم هذه الفجوة (التي تقدّر بأكثر من 70 مليار دولار) عبر تأكيده على ضرورة إعادة التوازن بين الموجودات والمطلوبات دون تحميل الخزينة أعباء جسيمة. آلية معالجة الفجوة ترتكز على مبدأ توزيع الخسائر بشكل هرمي وعادل قدر الإمكان:
أولاً، يتحملها المساهمون الحاليون عبر شطب قيمة أسهمهم (كما أُشير سابقًا)، وهذا يغطي جزءًا صغيرًا نسبيًا من الخسائر نظرًا لتآكل رساميل البنوك خلال الأزمة.
ثانيًا، تُحمَّل الخسائر المتبقية على الدائنين غير المضمونين وكبار المودعين من خلال أدوات الـBail-in. أي يتم اقتطاع أو تحويل نسبة من الودائع الكبيرة إلى أدوات رأسمالية أو شبه رأسمالية. على سبيل المثال، قد يصبح جزء من الوديعة الكبيرة أسهمًا جديدة في المصرف (مما يعني أن المودع الكبير يخسر جزءًا من سيولته مقابل ملكية في المصرف قد تعوّضه مستقبلاً). كما قد يصبح جزء آخر سندات طويلة الأجل (مثل سندات دون فائدة (Zero-coupon bonds) أو صكوك تصدرها صندوق خاص لاسترداد الودائع) يتم سدادها على مدى سنوات طويلة. هذه الأدوات مذكورة كخيارات ضمن المشروع لمعالجة الشطر الأعلى من الودائع (فوق حد معين كـ500 ألف دولار) بحيث يُعاد جزء منها للمودع تدريجياً عبر تلك الآليات. الهدف هنا تخفيف العبء الفوري على المصارف عبر جدولة طويلة المدى للالتزامات الكبيرة، وفي نفس الوقت إعطاء المودعين فرصة لاستعادة جزء من أموالهم مستقبلاً في حال تعافى الاقتصاد.
ثالثًا، الدولة ومصرف لبنان: على خلاف مطالبات جمعية المصارف، لم يفرض المشروع على الدولة تغطية صريحة ومباشرة للفجوة الناجمة عن خسائر مصرف لبنان (رغم وجود مادة في قانون النقد والتسليف تلزم الدولة بذلك). اكتفت الصيغة المطروحة بتلميح إلى مساهمة مالية عامة محدودة (كما أسلفنا حوالي 2.5 مليار دولار) وضخها في رأسمال مصرف لبنان لتعزيز قدرته على دعم السيولة. هذا يعني أن القسط الأكبر من الفجوة سيتم امتصاصه داخل القطاع المصرفي نفسه بواسطة اقتطاع الودائع وإعادة هيكلة الالتزامات. ورغم أن هذا يحقق هدف القانون في الحد من استعمال الأموال العامة، لكنه يترك العبء الأكبر على المودعين والبنوك. ويُلاحظ أن المشروع لم يغفل تمامًا مسألة مساهمة الدولة، بل أرجأ البت النهائي فيها ربما عبر ذِكر أن تنفيذ الإصلاح مرتبط بإتمام عملية إعادة الهيكلة الشاملة، مما قد يُفسَّر بأنه انتظار لدور ما للدولة (أو ربما نتائج مفاوضات مع صندوق النقد) قبل تفعيل كامل أحكام القانون.
رابعًا، ينطوي سد الفجوة أيضًا على إجراءات تحفيزية واستعادة ثقة. فالمشروع عندما يعيد رسملة المصارف ويضمن حماية الودائع الصغيرة بالكامل، فإنه يحاول ترميم الثقة تدريجياً. وربما نص على إنشاء “صندوق استرداد الودائع” ككيان يمول جزئيًا من الدولة ومن عوائد تخصيص الأصول المستردة، توضع فيه موارد لرد جزء من الودائع على المدى الطويل. هذا الصندوق قد يكون الإطار الذي من خلاله سيتم تتبع وسداد السندات والصكوك الممنوحة للمودعين بدل أموالهم المقتطعة. أي أن معالجة الفجوة ليست مجرد عملية محاسبية فورية، بل هي برنامج يمتد لسنوات يوازن بين شطب الخسائر من جهة وإرجاء تعويض بعض الحقوق من جهة أخرى.
بشكل عام، يعكس المشروع مقاربة واقعية لكنها مؤلمة: فهو يفترض بصراحة أن الخسائر كبيرة لدرجة تمنع الدولة من سدها، ولذا يتعين اقتسامها بين أصحاب المصارف (خسارة رساميلهم) والمودعين (تنازلهم عن جزء من ودائعهم أو قبولهم تأجيل استردادها). هذه المقاربة المالية تتوافق مع شروط صندوق النقد الدولي التي تطالب بتحييد أموال الدولة وتقليل تدخلها، لكنها في المقابل تعرض القطاع المصرفي لصدمة كبيرة. إذ ستظهر الخسائر للعلن وتُعترف رسمياً بان ممتلكات المودعين تقلصت، مما قد يؤثر على الثقة بالقطاع على المدى القصير. غير أن المنطق الكامن خلف المشروع هو أن الاعتراف الصريح بالخسائر وتحميلها لمستحقيها قانونًا أفضل من استمرار حال الغموض والمراوحة. ومع تطبيق القانون، ستصبح ميزانيات المصارف أكثر صحة وشفافية بعد شطب كل الخسائر المخفية، مما يتيح إعادة انطلاق النشاط المصرفي بشكل موثوق. ويبقى نجاح معالجة الفجوة ماليًا رهن تنفيذ دقيق وسريع وإدارة رشيدة للآليات المذكورة، حتى لا يؤدي تصحيح الميزانيات إلى انكماش اقتصادي أشد أو ضياع لحقوق المودعين دون مقابل عادل.
أثر المشروع على مختلف أصحاب المصلحة
المودعون (صغار وكبار)
يمسُّ مشروع القانون المودعين على نحو متفاوت بحسب حجم وديعة كل منهم. المودعون الصغار (أي ضمن حدود المبالغ المحمية تأمينيًا) سيجدون أنفسهم في وضع أفضل نسبيًا؛ إذ يؤكد القانون على السعي لحماية الودائع “بما لا يقل عن المبلغ المحمي” في حالة تصفية أي مصرف. عمليًا، هذا يعني أن صغار المودعين (على سبيل المثال من يملكون ودائع بضعة آلاف أو عشرات آلاف الدولارات ضمن الحد الذي تضمنه المؤسسة الوطنية لضمان الودائع) يجب أن يستردوا كامل ودائعهم حتى لو تمت تصفية مصرفهم. وسيولي المشروع أولوية قصوى لهؤلاء عند توزيع أي مبالغ مستردة من أصول المصرف. إضافة لذلك، بمجرد إعادة فتح المصارف بعد إعادة الهيكلة، يُفترض أن يتمكن المودع الصغير من الوصول إلى أمواله الجديدة بحرية أكبر مع زوال القيود تدريجيًا عن الحسابات الصغيرة. وبذلك يحقق القانون هدف حماية صغار المودعين واستثنائهم من أي قصاص مالي، حفاظًا على الثقة واعتبارات العدالة الاجتماعية.
أما المودعون الكبار (من تتجاوز ودائعهم الحدود المحمية بكثير)، فهم من سيتحمل العبء الأساسي في خطة المعالجة. وفقًا لآليات الـBail-in المنصوص عليها، سيتعين على أصحاب الودائع الكبيرة المساهمة في إعادة رسملة مصارفهم عبر التخلي عن جزء من ودائعهم أو قبول تحويلها إلى أسهم أو سندات طويلة الأجل. على سبيل المثال، قد يتم اقتطاع نسبة معينة من المبالغ التي تفوق سقفًا محددًا (كـ100 ألف دولار أو أكثر) وتحويلها تلقائيًا إلى أسهم في المصرف المُعاد هيكلته. هذا يجعل المودع الكبير مساهمًا في مصرفه – وهو وضع قد يمكنه من الاستفادة مستقبلًا إذا تعافى المصرف وارتفعت قيمة أسهمه، لكنه بالطبع غير مضمون ويعني تحمل المودع لمخاطر رأس المال. كذلك قد يحصل المودع الكبير على جزء من ودائعه بشكل سندات دون فائدة (صفريّة الكوبون) أو سندات طويلة الأجل قابلة للتداول تصدرها جهة حكومية أو صندوق معين، تُدفع قيمتها على مدى سنوات عديدة. هذا الإرجاء في استعادة الوديعة يمثل تضحية كبيرة من قبل المودعين الكبار، إذ قد يمتد لوقت طويل (هناك مقترحات تمتد حتى 10 أو 15 سنة للسداد على دفعات). بالتالي، المودع الكبير سيواجه خسارة فعلية متمثلة في نقص القيمة الحالية لأمواله (بسبب التأجيل واحتمال عدم حصوله إلا على جزء منها في النهاية). ويمكن القول إن القانون يقونن الوضع الواقع حاليًا بصورة عشوائية (حيث المودعون الكبار عاجزون عن الوصول لأموالهم بسبب القيود المصرفية غير الرسمية) ويحوّله إلى عملية منظمة ذات إطار زمني ومعالم قانونية واضحة. ومن جهة إيجابية، قد يحصل هؤلاء المودعون أخيرًا على سندات قانونية قابلة للتداول بدلًا من وديعة مجمّدة بلا أفق، ما يتيح لهم خيار بيع هذه السندات في السوق وتحويل خسارتهم إلى سيولة فورية (وإن كانت أقل من الأصل) وفق العرض والطلب. بالمحصلة، حقوق المودعين الكبار ستتأثر جوهريًا: سيستعيدون جزءًا من أموالهم بشكل فوري أو نقدي محدود، وجزءًا آخر على فترات طويلة أو كحقوق ملكية في المصرف. هذا التأثير السلبي عليهم هو انعكاس لتحميلهم الجانب الأكبر من الخسائر، عملاً بمبدأ أن من استفاد من فوائد مرتفعة ومخاطر المصارف سابقًا عليه تحمل الخسارة عند تعثرها. ومع أن ذلك قد يعتبر إجحافًا من منظورهم، إلا أنه كان الخيار الوحيد لتفادي إفلاس الدولة وضياع كل الودائع في حال ترك الأزمة تتفاقم دون حل. وتجدر الإشارة إلى أن المشروع (أو خطط مكملة له) قد يضع حدًا معينًا يعرف بـ“الوديعة المحمية” – كأن يُضمن لكل مودع مبلغ محدد (مثلاً 100 ألف دولار) يسترده بالكامل وبالأولوية، وما يزيد عن ذلك يخضع لإعادة الهيكلة. هذا يوفر قدرًا من العدالة بين المودعين ويمنع تحميل الخسارة لشخص كل أمواله بضعة آلاف يعامل مثل من أودع ملايين الدولارات. في الخلاصة، المودعون الصغار في مأمن، والمودعون الكبار أمام اقتطاعات وتأجيلات معتبرة، لكن في إطار قانوني منظم يمنحهم على الأقل أوراقًا مالية وآليات للتعويض الجزئي بدل الضياع الكامل.
المساهمون والمصارف نفسها
بالنسبة لمساهمي البنوك الحاليين، يحمل المشروع نبأً سيئًا: فمن شبه المؤكد فقدانهم لجزء كبير أو كامل قيمة استثماراتهم في مصارفهم. إذ أن شطب رساميل المصارف المتعثرة سيكون الخطوة الأولى لسد الخسائر. هذا يعني أن الأسهم القائمة ستصبح عديمة القيمة تقريبًا، ولن يعود للمساهمين القدامى أي حقوق مالية في مؤسساتهم بعد إعادة الهيكلة (إلا ما قد يبقى لهم من ملكية رمزية في حال لم تُمحَ بالكامل). عمليًا، سيخسر أصحاب البنوك وعائلاتهم السيطرة وربما الملكية إذا دخل مستثمرون جدد أو تم دمج مصرفهم في مصرف آخر. على الجانب الآخر، المساهمون الجدد المحتملون – سواء من المودعين الذين ستتحول ودائعهم إلى أسهم أو مستثمرين خارجيين – سيصبحون المالكين الفعليين للمصارف المعاد إطلاقها. هذا يعني إعادة تشكيل هيكل ملكية القطاع: خروج عدد كبير من المساهمين التاريخيين (بسبب إفلاس مصارفهم أو اندماجها) ودخول شرائح جديدة من المالكين. وقد يتيح المشروع للمساهمين الحاليين فرصة لضخ أموال جديدة للحفاظ على جزء من ملكيتهم (مثلاً قد يُطلب منهم زيادة رأس المال بنسبة ما قبل فرض البيل-إن على الودائع)، فإن استجابوا قد يقل حجم خسارتهم ويحتفظون بحصة في البنك بعد التعافي. لكن بالنظر لحجم الخسائر، من المرجح أن معظم المساهمين لن يستطيعوا تغطية الفجوات مما يعني خسارة شبه تامة لملكيتهم.
أما المصارف كمؤسسات، فسيكون أثر المشروع عليها وجوديًا. كثير من المصارف قد تزول ككيانات مستقلة نتيجة عمليات الدمج أو التصفية. فمن المحتمل تقليص عدد المصارف العاملة بشكل كبير، عبر دمج المصارف الضعيفة في عدد أقل من المصارف الأكبر أو عبر خروجها من السوق نهائيًا. المصارف التي ستستمر سيعاد هيكلتها من الداخل: إداريًا وماليًا. إداريًا، ربما يُعاد تشكيل مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية خلال عملية إعادة الرسملة (خاصة إذا أصبح كبار المودعين أو الدولة أو مستثمرون جدد مساهمين مسيطرين، سيطالبون بإدارة جديدة). قد يفرض القانون أيضًا معايير حوكمة صارمة لمنع سوء الإدارة الذي ساهم في الأزمة. ماليًا، المصارف الناجية ستبدأ برساميل جديدة وميزانيات نظيفة نسبيًا، لكنها أيضًا بنشاط مصرفي محدود في البداية. ذلك لأنها بعد إرجاع جزء من الودائع وخسارة جزء آخر، ستقل مواردها القابلة للتوظيف، وستحتاج وقتًا لإعادة بناء الثقة وجذب المودعين من جديد. في المدى القصير، ربما ستخضع هذه البنوك لرقابة لصيقة من لجنة الرقابة على المصارف لضمان التزامها بخطط التعافي والملاءة المفروضة. تكلفة الامتثال للقانون أيضًا لا يستهان بها: سيتعين على المصارف إعداد خطط تفصيلية لإعادة الهيكلة وتقديمها للجهات الرقابية والموافقة عليها، وقد تضطر لبيع مقرات أو فروع أو أصول تابعة لها لتوفير سيولة. كذلك ربما يتم تقييد توزيعات الأرباح لسنوات ومنع أي مكافآت إدارية كبيرة حتى استعادة العافية المالية. بعبارة أخرى، المصارف خلال وبعد تطبيق القانون ستصبح مؤسسات خدمية أكثر منها ربحية، تركز على أداء دورها الأساسي (حفظ الودائع وتمويل الاقتصاد بشكل متزن) بدون المجازفات السابقة. وعلى المدى المتوسط، إذا نُفّذ القانون بنجاح، يفترض أن تتكون قاعدة مصرفية أصغر وأصلب مالياً، ما قد يسمح بعودة النمو والثقة تدريجيًا. لكن إلى حينه، يدرك أصحاب المصارف أن هذا القانون يعني محاسبتهم بشكل جوهري على أخطاء الماضي (عبر فقدان ملكيتهم وأصولهم في المصرف) وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القطاع ولو على أنقاض مصالحهم الخاصة.
مصرف لبنان
يلعب مصرف لبنان (البنك المركزي) دورًا محوريًا في مشروع القانون على مستويين: كجزء من المشكلة وكجزء من الحل. فمن جهة، كانت توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان (التي تفوق 70 مليار دولار) هي الثقب الأسود الذي أدى إلى تعثر المصارف، وبالتالي لا يمكن معالجة أوضاع المصارف دون التعرض لمصير هذه التوظيفات. المشروع في جوهره لا يحمل مصرف لبنان ككيان مسؤولية مباشرة تجاه المصارف تفوق ما تسمح به أصوله الحالية؛ أي أنه لا يُلزمه بردّ الودائع المصرفية لديه فورًا أو بالكامل، بل يتعامل معها كخسارة يتوجب توزيعها ضمن عملية إعادة الهيكلة. وبذلك أعفى النص المركزي عمليًا من تحمل الفجوة وحده (وهو ما كانت جمعية المصارف تطالب بعكسه عبر تفعيل مادة قانون النقد والتسليف 113 لإلزام الدولة ومصرفها المركزي بتسديد تلك الخسائر). هذا الإعفاء ضمني يخفف الضغط عن ميزانية مصرف لبنان المنهكة أصلًا، لكنه في الوقت عينه يترك العبء على المودعين كما أسلفنا.
من جهة أخرى، يتولى مصرف لبنان عبر هيئاته دور القائد والمنسق لعملية إعادة الهيكلة. فالحاكم (أو نائبه في حال الشغور) يترأس الهيئة المصرفية العليا المخولة باتخاذ قرارات إعادة الهيكلة أو التصفية. كما أن فرق الرقابة لدى مصرف لبنان (أي لجنة الرقابة على المصارف التي هي بحكم القانون جهاز مستقل يعمل بإشرافه) ستقوم بالتدقيق في حسابات المصارف وتصنيفها واقتراح الإجراءات المناسبة لكل منها. بكلمات أخرى، يصبح مصرف لبنان سلطة resolution فعلية كما هي الحال في البنوك المركزية حول العالم عند الأزمات المصرفية. ومن المتوقع أن يوفر المصرف المركزي دعمًا لوجستياً ومالياً محدوداً لضمان استمرارية عمل المصارف أثناء إعادة الهيكلة. فمثلاً قد يفتح خطوط سيولة طارئة للمصارف القابلة للاستمرار كي تتمكن من تلبية السحوبات المعقولة خلال الفترة الانتقالية، وذلك لمنع أي ذعر أو هجوم سحب جماعي. وربما يُنشئ المصرف المركزي “بنكًا جسراً” (Bridge Bank) يأخذ على عاتقه مؤقتًا تشغيل بعض المصارف الحرجة أو إدارة الموجودات المجمعة للمصارف التي تُصفّى، وهذا يتطلب تنسيقًا عالياً من قبله.
كذلك سوف يتأثر ميزان مصرف لبنان المالي بهذا المشروع. فالمساهمة المحدودة من الدولة (2.5 مليار دولار المفترضة) ستعزز رسملة مصرف لبنان قليلًا، مما قد يسمح له بشطب جزء من خسائره أو تكوين مؤونات مقابلها. وإذا حصلت أي عوائد مستقبلية (مثلاً من بيع أصول للدولة أو فائض في ميزانيات البنوك المعاد هيكلتها)، قد يتم تحويل جزء منها لمصرف لبنان لتحسين وضعه. لكن في الوقت الحالي، سيبقى مصرف لبنان يحمل خسائر ضخمة ستُرحّل إلى أجل غير مسمى لحين تأمين موارد لتسديدها. وعلى صعيد دوره، ينقل المشروع مصرف لبنان من وضعية المُدافع عن نفسه في مواجهة المصارف (حيث كانت المصارف تطالبه بأموالها وتحمّله اللوم) إلى حَكَم ينظم اللعبة ويقرر من المصارف من يبقى ومن يرحل. بيد أن هذه الوضعية تأتي مع مسؤولية تاريخية: فإذا فشلت عملية إعادة الهيكلة أو حدث ارتباك في التطبيق، فسيوجَّه اللوم لمصرف لبنان كونه الجهة المشرفة. أما إن نجحت الخطة، فسيُنسب الفضل جزئيًا لإدارته هذه العملية بكفاءة. في المحصلة، تأثير المشروع على مصرف لبنان خليط من التخفيف المالي (بعدم مطالبته فورًا بدفع المستحقات للمصارف) ومن تعزيز الدور التنظيمي له، مما يرسخ نفوذه في القطاع المالي وإن كان ذلك على أنقاض ميزانيته المتعثرة.
الحكومة
الحكومة اللبنانية هي الجهة التي أعدّت هذا المشروع ودفعته قدماً استجابة لشروط الإصلاح الدولي، وهي بذلك تسعى لتحقيق توازن صعب بين حماية الاستقرار المالي وتجنب تحمل الخسائر في الموازنة العامة. من منظور مالي مباشر، يمثل المشروع مكسبًا للحكومة من ناحية تخفيف العبء المالي عليها: فقد نجحت في النص على الحد من استخدام الأموال العامة في إعادة الهيكلة، مما يعني أنها لن تضطر إلى رصد مبالغ طائلة من الخزينة (التي تعاني أصلاً من عجز ومديونية) لإنقاذ المصارف. المساهمة الحكومية المباشرة تكاد تقتصر على تلك الـ2.5 مليار دولار لدعم رسملة مصرف لبنان، وربما مساهمات مستقبلية محدودة في صندوق استرداد الودائع إن توفر له موارد. بالمقابل، جنّبت الحكومة نفسها مسؤولية سداد الجزء الأكبر من الخسائر، وهو ما كانت تخشاه نظرًا لانعكاساته التضخمية والاقتصادية والسياسية. وبالتالي يمكن القول إن المالية العامة للدولة لن تتدهور بشكل كارثي إضافي بسبب هذا المشروع، بل على العكس قد تستفيد على المدى المتوسط إذا أدى إصلاح القطاع المصرفي إلى إنعاش الاقتصاد وزيادة الايرادات الضريبية مستقبلاً.
على الصعيد التنظيمي والسياسي، سيمنح نجاح المشروع الحكومة مصداقية إصلاحية ضرورية. فقد طال انتظار هذا القانون كإحدى الخطوات الإنقاذية، وكان إقراره شرطًا أساسيًا للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. إن وفاء الحكومة بهذا الشرط يعزز موقفها أمام المؤسسات الدولية والدول المانحة، وربما يفتح الباب للحصول على دعم مالي خارجي أو تسهيل اتفاق تمويلي مع الصندوق. كذلك فإن القانون يوفر للحكومة إطارًا قانونيًا للتعامل مع أي انهيارات مصرفية مستقبلية بطريقة منظمة بدل الارتجال الذي حصل عند انهيار 2019. هذا يخفف العبء عن السلطة التنفيذية في إدارة الأزمات ويجنبها اتخاذ قرارات استنسابية قد تُتهم بها بأنها انحازت لمصرف معين أو مجموعة نافذة. فمع وجود قانون واضح، تصبح العملية تقنية وقانونية وليست سياسية، مما يحمي الحكومة نسبيًا من الضغوط والمحسوبيات عند تطبيق إعادة الهيكلة.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من تحديات للحكومة. إذ يُتوقع أن تواجه اعتراضات اجتماعية وربما قانونية من المودعين الكبار أو حتى من جمعية المصارف التي قد تلجأ للقضاء (رغم محاولة منع الطعون) أو تحشد الرأي العام ضد “القضم القانوني” للودائع. سيكون على الحكومة الدفاع عن دستورية القانون وعدالته أمام المجلس الدستوري إذا ما تم الطعن به من قبل جهات متضررة. وكذلك عليها التعامل مع التداعيات الاقتصادية المحتملة كسحب الثقة المؤقت من القطاع المالي أو انكماش الائتمان، مما قد يتطلب إجراءات موازية لتخفيف أثر الصدمة على الاقتصاد الكلي (كإطلاق خطط تحفيز أو تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي للمتضررين). سياسيًا أيضًا، تبني الحكومة لهذا المشروع وضعها في مواجهة مباشرة مع أصحاب النفوذ في القطاع المصرفي، لكن بالمقابل يكسبها تأييد شريحة واسعة من المواطنين المتعطشين لمحاسبة المصارف وإعادة الودائع ولو جزئيًا. بعبارة أخرى، الحكومة تجازف لكنها تأمل أن تجني استقرارًا مالياً واقتصاديًا على المدى الطويل دون انهيار مالي للدولة. وإذا نجح القانون في إعادة الهيكلة بسلاسة، فسيشكل ذلك إنجازًا يُحسب لهذه الحكومة ويتم البناء عليه في استعادة العافية الاقتصادية العامة.
الجهات الخارجية ذات الصلة
أبرز جهة خارجية معنية بمشروع القانون هي صندوق النقد الدولي (IMF) والدول المانحة المعنية باستقرار لبنان المالي. جاء إعداد هذا القانون وتحديثه استجابة مباشرة لمطالب صندوق النقد، إذ اعتبر الصندوق منذ 2020 أن غياب إطار قانوني لمعالجة إفلاس المصارف هو ثغرة كبيرة في التشريعات اللبنانية. وبالتالي، إقرار هذا المشروع يلاقى بترحيب من قبل صندوق النقد كونه يحقق شرطًا مسبقًا لإبرام اتفاق تمويل مع لبنان. يتوقع أن يُظهر الصندوق مرونة أكبر في المفاوضات المقبلة بعد إقرار القانون، على اعتبار أن لبنان بدأ يتخذ خطوات جدية في طريق الإصلاح الهيكلي للقطاع المصرفي. كذلك فإن الدول المانحة ضمن إطار خطة النهوض (3RF) أو مبادرات الدعم الدولي، سترى في هذا التطور مؤشرًا إيجابيًا لاستعداد السلطات اللبنانية لاتخاذ قرارات صعبة لمعالجة الأزمة، مما قد ينعكس في زيادة الثقة وضخ بعض المساعدات أو القروض الميسرة لدعم الاقتصاد. على الجانب الآخر، سيُراقب الصندوق والمانحون عن كثب كيفية تنفيذ القانون فعليًا، لأن إقرار النص شيء وتطبيقه شيء آخر. فإذا تبين لاحقًا أن هناك تلكؤًا أو استثناءات في التطبيق (مثلاً حماية مصارف معينة بسبب نفوذها أو عدم تنفيذ البيل-إن كما يجب)، فقد ينتقد المجتمع الدولي الحكومة مجددًا. لذا فإقرار القانون ليس عصا سحرية بحد ذاته لكنه شرط ضروري ولازم ضمن رزمة الشروط الخارجية.
هناك أيضًا الدائنون الخارجيون والشركاء الماليون للبنان. صحيح أن الأزمة المصرفية هي بالدرجة الأولى داخلية (ودائع المودعين المحليين واللبنانيين المنتشرين)، إلا أن بعض الأطراف الخارجية قد تتأثر. على سبيل المثال: المصارف المراسلة الأجنبية التي تتعامل مع المصارف اللبنانية تتابع التطورات للتأكد من عدم حصول فوضى تؤثر على تعاملاتها أو أموالها. تنفيذ القانون بشكل منظم سيطمئن هؤلاء بأن أي تصفية مصرف لبناني ستتم بتحكم وسيولة كافية لتسوية مستحقات المراسلين الأجانب إن وجدت. كذلك، بعض المودعين قد يكونون من غير اللبنانيين (مستثمرين عرب أو أجانب)، وسيشملهم ما يشمل كبار المودعين من معالجات، ما قد يثير قضايا دبلوماسية أو قانونية عبر الحدود إن شعروا بالغبن. لكن عمومًا، نسبة هؤلاء ليست كبيرة والتوجه العام دوليًا هو دعم أي حل ينهي الأزمة اللبنانية.
من زاوية أخرى، يمكن أن يجذب نجاح عملية إعادة الهيكلة مستثمرين دوليين مستقبلاً إلى القطاع المصرفي اللبناني. فبعد تقليص عدد المصارف وإعادة رسملتها، قد تُتاح فرص لمصارف إقليمية أو عالمية للاستحواذ على حصص في المصارف اللبنانية الجديدة أو الدخول إلى السوق اللبنانية عبر شراء مصرف مفلس مُصفّى جزئيًا. القانون بالفعل لحظ إمكانية الاستحواذ عبر مصرف أقوى، ولم يقيّد هوية هذا المصرف، ما يفتح الباب نظريًا لدخول مصارف أجنبية للمساهمة في إعادة هيكلة بعض المصارف أو شراء محفظة أصولها. إن حدث ذلك، سيكون تطورًا إيجابيًا عبر إدخال خبرات ورؤوس أموال أجنبية تعزز المنافسة والثقة. لكنه يعتمد على مدى شفافية وسلاسة تطبيق عملية الإصلاح وجاذبية القطاع بعد تنظيفه.
وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن المجتمع الدولي والخبراء الاقتصاديين العالميين سوف ينظرون إلى هذا القانون كتجربة حالة للدول التي تمر بأزمات مصرفية شاملة. النجاح في تسوية أزمة بهذا الحجم دون انهيار اجتماعي أو سياسي سيكون مثالاً يحتذى، أما الإخفاق أو التعثر فسيكون درسًا كذلك. من هنا، الضغوط الخارجية ليست فقط للحصول على القانون بل أيضًا لتحقيق النتائج الموعودة منه. في المجمل، الجهات الخارجية المعنية – وعلى رأسها صندوق النقد – مشجعة وداعمة لهذا الإطار القانوني وتأمل أن يشكل نقطة انطلاق لاستعادة التوازن المالي في لبنان، شرط أن يقترن بإصلاحات أخرى (كإقرار قانون الضوابط على رأس المال رسميًا، وإصلاح المالية العامة) تكمل الصورة الكبرى للتعافي الاقتصادي.
—
خلاصة: يمثل مشروع قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها خطوة مفصلية في معالجة الانهيار المالي اللبناني. من خلال تحليل نصه يتبين أنه يؤسس لنهج موضوعي وشامل يقوم على تحميل الخسائر لأطرافها بشكل متدرج، وحماية صغار المودعين، وإعادة هيكلة القطاع تحت إشراف سلطات رقابية معززة الصلاحيات، مع تقليص أي كلفة على الدولة. الإطار القانوني متين في أغلب جوانبه ويتوافق مع المعايير الدولية لإدارة الأزمات المصرفية، وإن كان يحمل بعض التعقيدات (كتأجيل سريانه وربما إشكالية تحصين قراراته قضائيًا). أما الأثر المالي فسيكون كبيرًا لكنه ضروري لوضع القطاع على مسار مستدام، حيث ستُنظَّف الميزانيات وتوزَّع الخسائر التاريخية تمهيدًا لنهوض المصارف من جديد. وعلى صعيد أصحاب المصلحة، ففيما يُنصف المشروع صغار المودعين ويسعى للحفاظ على النظام ككل، فإنه يفرض أثمانًا على المودعين الكبار والمساهمين الحاليين لتحقيق العدالة في تحمل تبعات الانهيار. ويبقى نجاح هذا القانون مرهونًا بالتنفيذ العملي الشفاف والكفؤ، وبمدى تكامله مع خطوات إصلاحية أخرى؛ لكن كنص بحد ذاته، يوفر أخيرًا الإطار الذي طال انتظاره لوضع القطاع المصرفي اللبناني على سكة المعالجة والتعافي.