حجم التغريدات والتصريحات عن الحرب القادمة يكشف الهدف.. | بقلم سلوى فاضل

يُعاني أهل الضاحية الجنوبيّة بشكل خاص، والجنوب والبقاع عمومًا من ضغط اعلامي هائل، يفوق قدرات الناس العاديين بأضعاف مضاعفة على التحمّل منذ 27 تشرين الثاني العام 2024.
لماذا وكيف؟
نظرًا لاستمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان بالقصف اليومي والاغتيالات والتدمير وأعمال التجريف ومنع آليات الإعمار من العمل، يرى اللبناني المُقيم في الضاحية الجنوبيّة يوميّا وبشكل مكثّف نمط من الأخبار التهويليّة التي توتر أعصابه وترهقها، وإن كان هذا اللبناني من أبناء هذه المناطق بالتحديد يثق بقيادته ومواقفها وتصريحاتها.
أولًا: بدون تعميم، نشهد يومياً عشرات المقابلات على منصات إلكترونية لأشخاص يقدّمون أنفسهم بألقاب مثل محلل أو خبير أو مختص أو ناشطة أو عميد متقاعد، ورغم العدد الكبير، فهو جزء فقط من الكم الكبير الذي يملأ الفضاء الإلكتروني من منصات وبودكاست ومواقع إخبارية تتكاثر يومياً. هذا الانتشار يعكس حجم الحملات الإعلامية المنسقة في لبنان، والتي تهدف إلى التأثير على الرأي العام وتوجيه النقاش السياسي تجاه اتجاهات محددة، مستهدفة قادة الرأي والمجتمعات المختلفة في الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب والبقاع، بما يظهر الحاجة إلى وعي نقدي أكبر من الجمهور تجاه ما يُقدّم من محتوى.
ثانيًا: جميع المذكورين أعلاه ينطقون بكلمات مُحددة تصبّ كلّها في إطار التهويل والتخويف بهدف تفريغ المنطقة المُستهدفة من ناسها وتهجيرهم إلى خارجها. حيث يتم استغلال الاعتراضات التي ظهرت لدى بعض الأهالي خلال فترة وجود المهجّرين في أعوام 2023–2024 والتي غالباً ما ارتبطت بضغوط الحياة اليومية والظروف الصعبة التي مرّ بها الجميع. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أنّ كثيراً من العائلات المهجّرة تحمّلت أعباء قاسية تمثّلت في مغادرة منازلها قسراً وتعرّض ممتلكاتها للدمار وفقدان عدد من أبنائها، إضافة إلى ما رافق المرحلة من زيادات استثنائية في بدلات الإيجار فرضها بعض المالكين نتيجة الظرف الطارئ.
ثالثًا: يتكرّر الخطاب الداعي إلى التحذير من اقتراب حرب إقليمية والمطالبة بإعادة النظر في مسألة السلاح والعودة إلى إطار الدولة. ومع اختلاف المواقف، يبقى من المهم التذكير بأن من يُوجَّه إليهم هذا الكلام هم مواطنون لا يحملون سوى الجنسية اللبنانية، وينتمون إلى أرض قدّم أبناؤها تضحيات كبيرة عبر أجيال متعاقبة. والإحاطة بهذه الحقائق تساعد على تخفيف حدّة النقاش وإبقائه ضمن إطار وطني يحترم التفاوت في الرؤى ويبحث عن صيغ مشتركة تبدد مخاوف الجميع بعيداً عن استغلال المشاعر العفوية للمواطنين من مختلف الفئات .
رابعًا: عند متابعة حجم المقابلات التلفزيونية التي تُبث على مختلف الشاشات وفي مختلف الأوقات، يبرز ميلٌ واضح لدى عدد من الضيوف إلى تقديم صورة شديدة القتامة عن المرحلة المقبلة، مع حديث مستمر عن احتمالات الحصار والمجاعة والانهيار الشامل. ويبدو أحياناً وكأن المناطق الأكثر تضرراً، مثل الجنوب والضاحية، تُناقَش كأنها بعيدة عن مجتمعاتها الطبيعية، فيما الحاجة الأساسية تكمن في تناول الوضع بقدر أعلى من التوازن والواقعية، بعيداً عن المبالغة التي تزيد القلق من دون أن تقدّم فهماً أدق لما يجري.
خامسًا: توسّعت دائرة من يُقدَّمون اليوم كمحللين إلى حدّ بات فيه الخبير الانتخابي يقدّم نفسه محللاً استراتيجياً، وسكرتير التحرير والمقدّم والمعد والمراسلة والمترجم يظهرون بالصفة ذاتها، وكأن المشهد الإعلامي يستقي قراءاته من مصدر واحد ويتحرّك ضمن الإطار نفسه. وتزداد الصورة التباساً حين تبرز المواقف المعلنة بلبوس وطني، بينما تظهر في المقابل مشاركات متكررة في مناسبات تقيمها السفارات الأجنبية. هذا التناقض يفتح أسئلة مشروعة حول استقلالية الطرح وعمق التحليل المطلوب في لحظة تحتاج إلى وضوح ومسؤولية أكبر.
شهدت المرحلة الماضية ضغطاً إعلامياً واسعاً ترافق مع امتناع الإعلام المقابل عن الدخول في سجالات يومية، وهو أمر يرتبط أيضاً بمحدودية الكوادر الإعلامية القادرة على متابعة هذا الكم من الهجمات المتتالية. هذا الغياب النسبي دفع جزءاً من الجمهور إلى التعبير عن مواقفه عبر وسائل التواصل، باعتبار أن الدفاع عن القضايا التي يؤمن بها مسؤولية فردية أيضاً. ومع تكرار الخطاب النقدي نفسه، انتقل بعض المعلّقين إلى تناول قضايا دينية وثقافية مرتبطة بالطائفة الشيعية، وصولاً إلى تفاصيل ذات طابع اجتماعي. ويعكس ذلك حاجة ملحّة إلى نقاش أكثر رصانة يركّز على القضايا الفعلية بدلاً من الانزلاق نحو موضوعات لا تُسهم في فهم المشهد أو معالجة التحديات القائمة.
ظهر هذا المسار قبل أحداث عام 2023 ليبدأ باستهداف مؤسسات اجتماعية ومالية مثل القرض الحسن، ثم امتد إلى مدارس المهدي، واللباس الشرعي، وبعض الأناشيد الدينية، إضافة إلى محال تجارية ومؤسسات يملكها أفراد من الطائفة الشيعية. وتطوّر الخطاب ليشمل جهات خدماتية تعمل في الإغاثة والإنماء، مثل الدفاع المدني التابع للهيئة الصحية، ومؤسسة جهاد البناء، وجمعية تعارفوا، وصولاً إلى انتقادات طالت مبادرات فردية تعتمد على تبرعات بسيطة لخدمة الناس. ويعكس هذا النهج اتساع دائرة النقاش حول أدوار هذه المؤسسات في لحظة مشحونة، ما يستدعي مقاربة أكثر اتزاناً تميّز بين الخلاف السياسي وبين الدور الاجتماعي الذي تؤديه هذه الهيئات في حياة شرائح واسعة من اللبنانيين.
شهدت مناطق البقاع والجنوب والضاحية موجة انتقادات مكثفة استهدفت شرائح واسعة من المجتمع، وكان الظن أن هذه الفئة ستصمت أمام الضغوط، لكن الواقع أظهر أن الصبر الاستراتيجي والفهم العميق للواقع يشكّلان قدرة على التماسك. بعض المنتقدين للثنائي الشيعي باتوا اليوم أكثر حرصاً على دعمه في مواجهة حملات تستهدف المجتمع اللبناني ككل، إذ برز شعور بالانتماء والدفاع عن المجموعة حين بدا أن الخطر يهدد أفراد الطائفة.
برزت وحدة وتكاتف المجتمع الشيعي نتيجة إدراك حجم الضغوط والتحديات، حيث لم يعد التهديد يأتي من خارج الحدود فحسب، بل من جهات متعددة داخل البلاد، تشمل أحياناً وسائل إعلام، أطراف سياسية، وقطاعات تجارية. وما ساهم في تخفيف المخاوف شعور بالدعم الخارجي المادي والمعنوي والإعلامي من بعض الدول والشعوب، الأمر الذي منحهم مساحة أكبر للثبات.
تميزت هذه المجموعة بالالتفاف حول بعضها البعض نظراً لخصوصية موقعها كأقلية ضمن السياق الوطني، فيما يعكس ما حدث الحاجة إلى فهم السياق السياسي والاجتماعي بشكل دقيق، بعيداً عن تعميمات الحقد أو الانقسامات، والتركيز على الحفاظ على الاستقرار والمجتمع في مواجهة ضغوط متعددة الأطراف.
من الصعب تصور كيف يمكن لمجموعات محدودة في بعض المناطق مواجهة قوى تمتلك موارد كبيرة وتقنيات متقدمة وآليات مراقبة، التي كانت مسؤولة عن استهداف بعض القيادات البارزة. وقد أبدت الضاحية دعمها عبر تقديم التضحيات والمساندة، رغم أن بعض الأطراف رفضت أن تُستخدم هذه الجهود لتقليص الخلافات الداخلية، وبدلاً من ذلك انصب النقد على الجوانب الدينية والاجتماعية المرتبطة بهذه الحركات.
لو تم استثمار جزء من الجهود الإعلامية والتحليلية الضخمة في سياسات عملية، لكان بالإمكان تعزيز قدرة الدولة على مواجهة بعض التحديات مثل تحسين البنية التحتية، دعم القطاعات الإنتاجية، وتمويل بعض المشاريع الاجتماعية والخدمات الأساسية.
لكن الواقع أظهر أن كثيراً من الخطاب هو خطاب فتنوي، مع غياب أطر قضائية واضحة لمعالجة ما قد يضر بالأمن الوطني أو ينشر إشاعات مغرضة، ما يخلق فجوة بين الإمكانات والقدرات الحقيقية وبين التأثير الإعلامي فقط.
بعض الإعلاميين لا يلتزمون بمبادئ المهنة في نقل المعلومات بدقة، ويظهر تأثير بعض الجهات الخارجية على محتوى التغطية الإعلامية في أحيان كثيرة. يطرح ذلك تساؤلات جدّية حول دور القضاء في ضبط الخطاب الإعلامي وحماية الأمن الوطني، وفعالية الأجهزة الرقابية في الحد من التأثيرات الخارجية غير المرغوب فيها. كما يبرز التساؤل حول وجود آليات مساءلة واضحة لكل من ينشر محتوى يضر بالمصلحة العامة، وضمان أن يبقى الإعلام أداة مسؤولة تعكس الواقع بموضوعية وتحافظ على الاستقرار الوطني.
ينمو بعض الإعلاميين بسرعة بفضل فرص مالية سخية، ما يمنحهم تأثيراً مبالغاً فيه أمام الجمهور، أحياناً أكثر مما يتيح لهم موقعهم أو خبرتهم الفعلية. وكثيراً ما يركزون على نشر الخلافات والانتقادات الحادة، بينما يغفلون حقوق الإنسان وقضايا الضحايا في مناطق النزاع، ويقلّ الاهتمام بالمساءلة تجاه الجهات المعتدية.
يحاول البعض تقليد الإعلام الغربي في موقفه النقدي والضغط على الحكومات، لكن في الغالب لا يتبنى نفس مستوى الالتزام والمخاطرة، بل يظل متأثراً بالمصالح الغربية، مع تجاهل فعلي لحقوق الناس ولقضاياهم المباشرة. يمكن القول إن النقد البنّاء والإعلام المسؤول لا يتحقق بمجرد التقليد، بل بالقدرة على مراعاة القيم الإنسانية والالتزام بمصالح المجتمع، والتمييز بين التأثير الخارجي وواجب الدفاع عن حقوق المواطنين والمجتمع المحلي.




