عِبْرةٌ من إفريقيا للبنان | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

يطيب للبعض أن ينظر إلى القارّة الأفريقية من علٍ، أو يختصر بلدانها في صورة نمطية عن “العالم النامي”.
غير أنّ المكوث في قلبها يكسر الأحكام الجاهزة، ويكشف مسارات وتجارب قد تشكّل مرآة نقدية للبنان ومسؤوليه.
ومن بين هذه التجارب، تبرز رواندا بحدّتها. بلدٌ نجا من الإبادة، ولم يكتف بالنجاة، بل بنى نموذجًا للدولة الحديثة. ولعلّ المفارقة المؤلمة أنّ بلدًا آخر، كلبنان، الذي نجا أيضًا من نار الحرب، بقي أسيرًا لتصدّعاته، متروكًا لدوّامة الانهيار والانتظار.
ليبقى السؤال مفتوحًا أمام أي قارئ أو باحث أو مشرّع: كيف نهضت رواندا؟ ولماذا يتعثّر نهوض لبنان؟
تحمِلنا ذاكرة الحرب لنصل إلى حد فاصل بين المواجهة الرواندية… والإنكار اللبناني فقد شهد العالم عام 1994 واحدة من أبشع الإبادات الحديثة: مئة يوم، نحو 800 ألف قتيل. كان يمكن لرواندا أن تغرق في الثأر، أو أن تهرب من الحقيقة. لكنها اختارت الطريق الأصعب: لقد اختارت المواجهة.
ففتحت ملفات القتلة والضحايا. وأنشأت محاكم غاشاتشا التقليدية الحديثة. وسمّت الجريمة باسمها، لا باسم طائفتها. وجعلت الذاكرة فعل اعتراف… لا فعل إنكار.
أما لبنان، فخرج من حربه الطويلة بعفوٍ عامّ: فلا ملفات، ولا محاكمات، ولا تعريف للضحية، ولا تسمية للقاتل. بل استمرت السلطة بيد مدمريها ولبست رداء البورجوازية وراحت تتباها بصفقات الملايين “باسم الشعب اللبناني” من دون أدنى حساب للمواطنين.
تحوّلت الذاكرة اللبنانية إلى “طوائف متجاورة” لا إلى “شعب واحد”. كل طائفة تحمل سرديتها، وتدافع عنها كهوية وجودية.بينما نجد رواندا تواجه ذاتها بذاكرة واحدة بوجه الحقيقة. وأما لبنان فيواجه ذاته بذاكرات متضاربة بوجه وطنٍ واحد.
و لكي تكون الدولة “دولة” من دون ضياع بين السلطة المركزية والسلطة الموازية. تميّزت التجربة الرواندية أنّ الإعمار لم يُتخذ مدخلًا للنهضة، بل النهوض بالدولة نفسها كان هو المدخل. فكان القرار واضحًا بسلطة شفافة ومركزية وفاعلة.
وقانون فوق الجميع. ومشروع دولة واحد.
ولا زعامات مناطقية، ولا مربّعات أمنية، ولا ازدواجية في السلاح أو القرار. هكذا بُنيت “جمهورية المواطنة”.
على النقيض، بدا لبنان دولةً تتقاسمها الولاءات فالقرار مشرذم، والسيادة مثقوبة ومعيوبة، وطوائف أقوى من الجمهورية، وسياسيون أطول عمرًا من الدستور.
وصلت رواندا الأفريقية النامية إلى أن تكون دولة القانون، بينما بقي لبنان دولة الطوائف.
وأما الاقتصاد فخياره الناجح لا يكون الا بقرار يفصل بين الإنتاج الحقيقي والاقتصاد الريعي. لقد اختارت رواندا طريقًا بطيئًا، لكنه ثابت وواقعي. اختارت الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيا، ومكافحة الفساد، تنمية السياحة البيئية والزراعة الإنتاجية.
أما لبنان، فاستسلم لاقتصاد ريعي مهتزّ بين المصارف، والعقارات، والاستدانة بلا حدود، والهندسات المالية بلا محاسبة. فانهارت الطبقة الوسطى، ومعها أسس الدولة.رواندا صعدت من الصفر.لبنان سقط من القمة.وضاع أفق المصالحة بين مشروع دولة… وشعار موسمي
ففي رواندا، المصالحة ليست احتفالًا أو “يومًا وطنيًا”، بل سياسة عامة. إنها اعتراف بالخطأ، ومسار عدالة، وغفران، وبناء ثقة.
أما في لبنان، فالمصالحة تُستدعى في الخطابات والمناسبات والاحتفالات والمهرجانات، فيما الجمر يبقى تحت الرماد … كأنّ البلاد تخاف من مواجهة ذاتها. رواندا صالحت نفسها. ولبنان يخشى الحقيقة…
وبين سطور الدرس الرواندي تبقى الفرصة اللبنانية ضائعة. ليست المسألة مقارنة ميكانيكية بين بلدَين، بل قراءة في منهجين متباينين: رواندا اختارت الدولة. لبنان اختار تأجيلها. رواندا واجهت الحقيقة. لبنان هرب منها.رواندا أعادت تعريف مواطنيها. لبنان أعاد إنتاج طوائفه.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا — قانونيًا، سياسيًا، وأخلاقيًا:
هل ما زال في إمكان لبنان أن يتعلّم من تجربته هو… قبل أن يتعلّم من تجربة رواندا الافريقية؟ أم أننا دخلنا في زمنٍ لا تعود فيه الأمم من سقوطها؟




