ازمة لبنانالاحدث
قرار حكومي يعيد فتح ملفات تاريخية في لبنان | بقلم أكرم بزي

منذ استقلال لبنان عام 1943، ارتبط المشهد السياسي والاجتماعي بسلسلة طويلة من التحركات الشعبية، شملت تظاهرات وإضرابات مطلبية واحتجاجات سياسية. ففي الخمسينات، تكررت الإضرابات العمالية المطالبة بزيادة الأجور والحريات النقابية، وبرزت تحركات لطلاب ونقابات ضد الصرف التعسفي وتردي ظروف العمل. كما شهدت بيروت عام 1960 مظاهرات ضد استقالة الرئيس فؤاد شهاب، وفي عام 1961 أسبوع دعم للثورة الجزائرية، فضلاً عن إضراب المحامين اعتراضاً على إنشاء كلية الحقوق في جامعة بيروت العربية.
الأحداث البارزة لم تقتصر على الجانب النقابي، بل شملت محطات ذات بعد سياسي إقليمي، مثل تظاهرات عام 1967 رفضاً لاستقالة الرئيس جمال عبد الناصر، أو حرق مصنع كوكا كولا احتجاجاً على مواقف الشركة، وكذلك الاعتراض عام 1968 على زيارة الأسطول السادس الأميركي إلى بيروت. وفي نيسان 1969، اندلعت احتجاجات دامية دعماً لحرية العمل الفدائي، ما أدى إلى أزمة حكومية طويلة.
هذه الخلفية التاريخية تواصلت عبر العقود التالية، من انتفاضة 6 شباط 1984 التي أسقطت اتفاق 17 أيار مع إسرائيل، وصولاً إلى أحداث 7 أيار 2008 التي ارتبطت بخلافات حادة حول شبكة اتصالات تابعة للمقاومة وإقالة مسؤول أمني بارز في مطار بيروت. وفي كل هذه المحطات، كان العامل المشترك أن التوترات السياسية كانت تترجم في الشارع وتترك بصماتها على الاستقرار الداخلي.
اليوم، عاد الجدل مجدداً بعد قرار اتخذته حكومة الرئيس نواف سلام. القرار أثار اعتراضات سياسية وإعلامية تصفه بعض القوى بأنه “خطوة غير سيادية”، فيما تعتبره أوساط أخرى محاولة للتكيف مع الضغوط الإقليمية والدولية. معارضو القرار يشبّهونه بتجارب سابقة مثل اتفاق 17 أيار 1983، الذي أُجهض بفعل ضغط الشارع ورفض معظم القوى السياسية، معتبرين أن أي مسار مشابه قد يفتح الباب أمام انقسامات داخلية شديدة.
الجدل يكتسب بعداً إضافياً بالنظر إلى سيرة نواف سلام نفسه، إذ كان مستشاراً قانونياً في مفاوضات عام 1983 التي عُرفت باتفاق 17 أيار، كما شغل لاحقاً منصب ممثل لبنان في الأمم المتحدة. هذا البعد يعيد إلى الواجهة نقاشاً حول أدوار الشخصيات السياسية اللبنانية في محطات حساسة من تاريخ البلاد، وحول استمرار تأثير تلك المحطات على الخطاب السياسي الراهن.
في موازاة ذلك، يرى مراقبون أن القرار الحالي، بصرف النظر عن مضمونه، يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية إدارة لبنان لعلاقاته الإقليمية والدولية من دون تعريض وحدته الداخلية للاهتزاز. فالتجارب التاريخية، من انتفاضات الستينات إلى حرب لبنان الطويلة ثم اتفاق الطائف عام 1989، تظهر أن أي انقسام حول قضايا السيادة والعلاقات الخارجية سرعان ما يتحول إلى أزمة وطنية شاملة.
لذلك، يدعو البعض إلى التريث وإعادة النقاش إلى المؤسسات الدستورية، بما يشمل دور رئيس الجمهورية ومجلس النواب، لتفادي تفاقم الانقسام الداخلي. فيما تؤكد أصوات أخرى أن الشارع سيبقى وسيلة اللبنانيين التقليدية للتعبير عن اعتراضهم، كما كان منذ عقود، وأن المسار المقبل سيعتمد على قدرة القوى السياسية على إيجاد تسوية تحافظ على استقرار البلاد وتجنّبها مسارات صدامية.




