ازمة لبنانالاحدث
لبنان: أرض التناقضات الخلّاقة.. حيث يزهر الإبداع ويذوي المبدعون | بقلم فاروق غانم خداج

لبنان.. ذلك الكيان الجغرافي الصغير والعالم الثقافي المترامي الأطراف. إنه الحلم الذي يولد من رحم المعاناة، والواحة الخصبة التي تروي ظمأ المبدعين، ثم تتركهم يواجهون قحط الواقع بمفردهم. هنا، في هذا الفسيفساء المذهل من التنوع، تكمن أعظم مفارقاته: جنة الإلهام وجحيم العيش للمبدعين على حد سواء. إنه المشجب الذي تُعلَّق عليه كل الآمال، والمقبرة التي تُدفن فيها أحلام العيش الكريم.
هذه الأرض التي تتكئ على سواحل البحر وتتسلق الجبال تمنح روّادها منظراً بانورامياً للجمال، لكنها تنسى أن تمنحهم أرضاً ثابتة يقفون عليها. لبنان يكرّم المثقف والمخترع بالكلمات، ويغفل عن دعمه بالحقائق المعيشية، ويقدّم الإلهام على طبق فني، لكنه يترك صاحب الكلمة أو الاختراع يكابد قسوة الحياة اليومية.
جبران: الهروب إلى العالمية
خذوا جبران خليل جبران مثالاً.. ذلك الفتى الذي انطلق من بشري الحالمة إلى عالميّة الأدب. لم يكن رحيله مجرّد رحلة شاب طموح، بل كان هروباً مأساوياً من سجن الموارد المحدودة، ومن مجتمع لا يرى في الكاتب سوى متسول كلمات. لبنان منح جبران روحاً شرقية وحكمة خالدة، لكنه منعه من أن يجد موطئ قدم له في أرضه.
كانت التضاريس الوعرة في بشري مصدر إلهام لكتاباته، لكنها لم تكن كافية لإعالة أحلامه. فكانت الهجرة استراتيجية للبقاء على قيد الإبداع، لا على قيد الجسد فقط. فهم جبران مبكراً أن شجرة الأرز لا تكفي أن تكون رمزاً وطنياً، بل يجب أن تكون دليلاً على القدرة على النمو في أصعب التربة، والبحث عن الضوء بين الصخور. ورحل، حاملاً تراب الوطن في قلبه، لكنه مضطرّ لزرع كلماته في تربة أكثر خصوبة، حيث يثمر الإبداع بلا قيود.
حسن كامل الصبّاح: المخترع المقاوم في عين العاصفة
وفي الجانب الآخر، يقف حسن كامل الصبّاح شاهداً على معاناة المخترع والمبدع المقيم. وُلد الصبّاح في النبطية عام 1894، وعاش جزءًا من حياته في الولايات المتحدة، حيث أتاح له ذلك تطوير اختراعاته العلمية في الكهرباء والإلكترونيات، وحصل على أكثر من 43 براءة اختراع أمريكية.
لم تكن معركته مع الفقر فقط، بل مع نظام اجتماعي وسياسي يعتبر الابتكار ترفاً، والمخترع هامشاً يمكن الاستغناء عنه. اتخذ من البحث والعمل العلمي رسالة لحياته، مجسّداً بذلك معضلة المبدع اللبناني: عبقرية وإبداع في محيط من الشح المادي والقيود المؤسساتية. كان يشبه بحّاراً يبحر في مركب مثقوب، يعرف أنه قد يغرق في أي لحظة، لكنه مصرّ على مواصلة الرحلة العلمية والفكرية، محاولًا بناء جسور بين الابتكار المحلي والعالمي، بينما النظام السياسي يهدم الجسور خلفه.
مايكل دبغي: المهندس الجسدي للقلب والرمز اللبناني في المهجر
أما Michael E. DeBakey، المولود في الولايات المتحدة لأبوين لبنانيين، فهو مثال آخر على التحدي والنجاح خارج الحدود. وُلد عام 1908 في لويزيانا، ونشأ كأحد أبرز جراحي القلب، حيث ابتكر مضخات قلب وأجهزة جراحية متقدمة، وجرى له الفضل في الثورة التي شهدتها جراحة القلب المفتوح.
رغم التقدير العلمي الذي ناله في الخارج، يظل ارتباطه اللبناني رمزياً وأخلاقياً، وهو نموذج للمبدع أو المهني الذي يواجه تحديات البنية التحتية في وطنه، ليبحث عن بيئة توفر له الدعم والفرص الحقيقية لإبداعه. قصته تعكس تجربة كل مبدع أو مخترع لبناني: بذرة تنبت في أرض الوطن، لكنها غالباً تحتاج إلى تربة أكثر خصوبة خارج الحدود لتزهر.
السياسي والمثقف: صراع البقاء
من هذا التناقض البائن تولدت تلك المقولة الجوهرية: لبنان نعمة للسياسيين ونقمة للمثقفين والمخترعين. فبينما يستفيد السياسيون من انقسامات المجتمع الطائفية، محوّلين الدولة إلى آلة لتعزيز النفوذ، يجد المثقفون والمخترعون أنفسهم بلا سند أو ظهير. الدولة هنا تشبه أمّاً تمنح الحب لابنها السياسي، لكنها تحرم ابنها المثقف والمخترع من قوت يومه.
السياسي يبني تحالفاته على أساس طائفي ومناطقي، بينما المثقف يحاول بناء تحالفات فكرية وإنسانية تتخطى هذه الحدود. النظام السياسي اللبناني يشبه نسيجاً معقداً من الولاءات والموازنات، لا مكان فيه للحرف والكلمة إلا كزينة تعلق على الجدران في المناسبات. السياسيون يستخدمون المبدعين والمخترعين رمزيًا في خطابهم، بينما يتركونهم يواجهون تحديات الحياة اليومية بمفردهم.
المشهد الثقافي: حديقة الأوهام
المشهد الثقافي في لبنان يشبه حديقة سحرية: بذور الموهبة تنبت بغزارة، لكنها تذبل قبل أن تثمر بسبب عطش الدعم. المبدع اللبناني يحمل عبء الإبداع وعبء المعيشة معاً، فيعبُر من الصحافة إلى التدريس إلى السفر المؤقت، كالطائر الذي يبني عشه على أغصان متكسرة.
إنه يشبه حائك سجاد بارع، ينسج لوحات فنية رائعة، بينما أرضية ورشته تتآكل تحت قدميه. هذه الازدواجية تجعل من المثقف اللبناني كائناً هجيناً: فيلسوفاً في الصباح، وبائعاً في المساء. يحلم بالجمال ويواجه القبح، يكتب عن الحرية ويعيش القيود. ومع ذلك، هناك مبدعون ومهنيون قادرون على الصمود، ليثبتوا أن الإرادة الفردية قادرة على تحويل التحديات إلى إنجازات، رغم قسوة الواقع.
الخاتمة: تراجيديا لبنان الخالدة
وهكذا يظل لبنان يكرّم المثقفين والمخترعين في الخطابات ويذويهم في الواقع. يمنحهم مكانة رمزية ترفعهم عن هموم الأرض، ثم يتركهم يبحثون عن قوت يومهم بين الأطلال. هذا ما دفع جبران إلى الهجرة، والصبّاح إلى المقاومة العلمية، ودبغي إلى البحث عن اعتراف يليق بمكانته. إنها المعادلة نفسها التي تتكرر عبر الأجيال: لبنان ينتج المبدعين ثم يطردهم، يخلق العباقرة ثم يهملهم.
في الختام، يمكن القول إن لبنان يحمل وجهين: وجه يمنح السياسيين جذوراً متشبثة بالسلطة، ووجه يمنح المثقفين والمخترعين أجنحةً يحلقون بها بعيداً عن أرضهم. إنه البلد الذي يمنح الحرية ثم يعاقب عليها، يهب الإلهام ثم يحرم الاستقرار، يخلق الإبداع ثم يطرد المبدعين. هذه هي تراجيديا لبنان الخالدة: أن يكون الجنة والنار في آن واحد. أن يكون الحلم والكابوس، المهد واللحد، الأرض الخصبة التي تنتج كل شيء إلا أسباب البقاء لأبنائها المبدعين.




