ازمة لبنانالاحدث

لبنان: أسئلةُ الشيعة التي لا تَسمَعُها السياسة | بقلم د. بيار الخوري

كُتِبَت هذه السطور فيما يعيش مئات الآلاف من الشيعة اللبنانيين تجربةَ تهجيرٍ ثانية أو ثالثة خلال أقل من عامين. خلف كلِّ محاولة للفَهم هنا يقفُ منزلٌ مُهَدّم، وعائلة تفرّقت أو تشتتت بين مناطق متباعدة، وشخصٌ يحاول أن يستوعبَ ما حدث له ولحياته. قد لا يملك التحليل القدرة على نقل هذه الأصوات، أو إسماعها، أو التعبير الكامل عنها، لكنه على الأقل مَدعوٌّ بأن يتذكّر أنها موجودة، وأن ما يُكتَب ليس مجرّد معادلات سياسية، بل حياة بشرية مكسورة.

 

وسط هدير القذائف والدمار، يبرزُ سؤال يصعب طرحه في زمن الحرب، لكنه لا يختفي بسببها. بل على العكس، يتراكم بصمتٍ تحت ركام الأحداث، أكثر ثِقلًا من ضجيج المعارك نفسها: ماذا يريد الشيعي اللبناني فعلًا؟

 

ليس ذلك الشيعي الذي يظهر أمام الكاميرات أو يكتب مواقفه على وسائل التواصل الاجتماعي، بل ذلك الذي يجلس في منزله المُهدَّم أو في شقّةٍ مُستَأجرة في منطقةٍ لم يخترها، ويُفكّرُ بصوتٍ خافت لا يشاركه فيه إلّا القليل ممن يثق بهم.

 

هذا السؤال ليس سؤالًا صحافيًا، وليس استفزازًا سياسيًا، بل هو سؤالُ أيِّ مجتمعٍ يمرُّ بكارثة مزدوجة: كارثة الحرب، وكارثة غياب الفضاء الآمن للتفكير في الحرب. فالمجتمع الذي لا يملكُ مسافةً آمنة من حدثٍ كارثي لا يتوقّف عن معالجته نفسيًا وسياسيًا، بل يُمارس هذه المعالجة في الخفاء أو يُؤجّلها إلى أجلٍ غير مسمى، وكلا الخيارين له ثمنٌ مختلف.

 

اللافت في المشهد الراهن أنَّ الاستئناف المتجدّد للحرب يُعيدُ إنتاج هذه المُعضِلة بدلًا من حلّها. فكلُّ جولةٍ جديدة تُجمّد الاستنتاج، وتُعيد تفعيل منطق الدفاع الوجودي الذي يجعل أي تساؤل يبدو وكأنه طعنٌ في الظهر. والحال أنَّ هذه الديناميكية ذاتها تستحق التأمل: هل الشعور بالتهديد الخارجي الحقيقي، وهو تهديدٌ مُوَثَّق وليس وهمًا، يُلغي حق المجتمع في مُساءلة خياراته الخاصة؟ أم أنَّ ثمّةَ لحظةً تتحوّل فيها الطوارئ الدائمة من حالةٍ استثنائية إلى مُستدامة تُعفي من كلِّ سؤال؟

 

ما يجعل هذه الأسئلة أصعب هو أنَّ الإجابات لا تأتي من مصادر محايدة. فالسردية الرسمية ل”حزب الله” لها أدواتها وخطابها وشرعيتها المتجذّرة في تجربة احتلالٍ تاريخي حقيقية، والسردية المعارضة لها هي الأخرى منابرها التي لا يخلو معظمها من المنطق الوطني، كما لا يخلو بعضٌ آخر منها من الأجندات. وبين الاثنتين يقف الشيعي العادي في وضعٍ لم يختره: وريث تاريخ طويل من العنف العسكري. فكيف نقرأ رأيه العام ونحن نعرف أنَّ السياق يُشوّه الرأي، وأنَّ الصمتَ في مجتمعٍ كهذا ليس غيابًا للموقف بل قد يكون أعمق تعبيراته؟

 

والأرقام الانتخابية، قبل أن تُقيَّدَ بتفسيرات الأطراف، تطرح سؤالها الصريح: إذا كان جُزءٌ من الشيعة اللبنانيين لا يُصوّت لـ”حزب الله” ولا ل”حركة امل”، فلماذا لا يُتَرجَم ذلك إلى صوتٍ سياسي بديل ومُنظّم؟

 

هل لأنَّ البديل غير موجود فعلًا، أم لأنَّ ثمة ضغطًا اجتماعيًا غير رسمي يجعل المعارضة الشيعية الداخلية أمرًا يحتاج إلى حيادٍ استثنائي بين عناصر استقطاب وطني حاد؟ وإن كان الأمرُ كذلك، فهل الحياد معيارٌ عادل نطلبه ممن لا يزال يُحاول إحصاء خسائره؟

 

مسألة إعادة الإعمار ربما تكون أكثر هذه الإشكاليات قابلية للقراءة بعيدًا من الشعارات، لأنها تتحوّل إلى أرقام وحجارة ومفاتيح وعقود إيجار. فالشيعي الذي يبيع شقته المهدومة ويرحل إلى منطقةٍ أُخرى لا يُلقي خطابًا سياسيًا، لكنه يُصدِرُ حكمًا بلغة العقارات أبلغ من أيِّ تصريح. والسؤال عن ثقته بأنَّ التاريخ لن يتكرر في المكان ذاته؟

 

أما الجيل الشاب فيحمل سؤالًا وجوديًا بامتياز: هل ثمة مستقبل يمكن تخيّله هنا؟ وهذا السؤال لا يصدر بالضرورة عن رفضٍ سياسي، بل كثيرًا ما يصدر عن إرهاقٍ أعمق من السياسة. الفارق بين الشاب الذي يهاجر لأنه يعارض، والشاب الذي يهاجر لأنه أنهكه الانتظار هو فارق دقيق، لكنه جوهري في قراءة المشهد. ونزيف الكفاءات لا يختصر دائمًا في بيان معارضة، بل قد يكون أحيانًا مجرد إعلان يأس، وهذا أشد قتامةً من المعارضة لأنه لا يحمل إلّا اليأس.

 

والمرأة الشيعية في كلِّ هذا تستحق أكثر من فقرة في تحليلٍ سياسي. هي التي تحمل الثكل والتهجير والأطفال في آنٍ واحد، وهي التي يُقرر الآخرون عنها بين حكم “أم وابنة وأخت وأرملة الشهيد” وحكم العداء “للتشادور والحجاب” وحكم الدعوة ل”التحضّر”.

 

والسؤال الذي لا تُجيب عنه أيُّ استطلاعاتٍ متاحة هو: كيف تُفكر المرأة الشيعية حين تكون وحدها مع نفسها، بعيدًا من التوقع الاجتماعي بمختلف معاييره المتناقضة لما يجب أن تكون عليه ابنة هذه الطائفة في هذه اللحظة؟

 

في نهاية المطاف، ربما تكون الأمانة المنهجية الحقيقية هي الاعتراف بأنَّ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة لا لأن الإجابات غائبة، بل لأنَّ الإجابات الحقيقية تسكن في أماكن لا تصلها الدراسات التحليلية: في حديثٍ خافت بين أشقاء، في قرار مبيّت لا يُعلَن، وكل ما تستطيعه هذه الكلمات هو أن تطرح السؤال بأمانة، وتتحاشى الإجابة المُجاهرة التي لا تخدم غالبًا إلّا السرديات العائمة.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى