ازمة لبنانالاحدث
لبنان “دولة فاشلة”؟ | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

بعدما أعلن السيد توم براك أن لبنان دولة فاشلة، دفعني فضولي إلى البحث في ماهيّة الدولة الفاشلة من جهة، و عناصر هذا التصريح في واقع الحالة اللبنانية ومجمل الأسباب التي تجعل من وطني “دولة فاشلة” من جهة أخرى؛ مع إدراكي لمكامن الخلل الواضحة في الأداء الإداري ونوعية الخدمات العامة وفظاعة الاصطفافات وجذور الذهنية منذ زمن العثمانية ومع الأسف حتى اليوم.
تُصنّف أصلاً الدولة بالفاشلة حين تفقد السلطة معناها وتغيب الدولة عن ذاتها. فأمام عالمٍ يتغيّر بسرعة تفوق قدرة الأنظمة السياسية على التكيّف، يظهر مصطلح «الدولة الفاشلة» كأحد أكثر المفاهيم إزعاجًا في قاموس العلاقات الدولية. ليس لأنّه جديد في جوهره، بل لأنه يكشف عمق العطب الذي يصيب الكيان السياسي حين يفقد رسالته ووظيفته الأساسية وهي خدمة الإنسان – المواطن.
منذ مطلع التسعينيات، وبعد انقضاء الحرب الباردة، بدأ الخبراء في الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث يستخدمون عبارة Failed State لوصف الدول التي انهارت فيها السلطة المركزية أو فقدت قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية. وكان من أبرز من نظّر للمفهوم العالمان الأميركيان جيرالد هلمان وستيفن راتنر سنة 1992، معتبرَين أنّ بعض الدول باتت غير قادرة على القيام بواجباتها السيادية، ما يستدعي تدخلًا دوليًا لإنقاذها من ذاتها.
وبين القاعدة والمفهوم، لا تُقاس «الدولة الفاشلة» فقط بضعف اقتصادها أو بانتشار الفقر، بل بفقدانها وظائفها الجوهرية:
احتكار استخدام القوة الشرعية وحماية الحدود وضمان الأمن وتقديم الخدمات العامة الأساسية والحفاظ على العدالة واستقلال القضاء وتمثيل إرادة الشعب في الداخل والخارج.
حين تغيب هذه الوظائف، تتحوّل الدولة إلى مجرّد جغرافيا بلا سيادة، وسلطة بلا شرعية. يصبح الحكم فيها مشروعَ بقاءٍ فردي لا مشروع دولة، وتنقلب المؤسسات إلى جزر متنازعة تتغذّى من الانقسام بدل الوحدة.
ويعود تاريخ التسمية ومؤشر الفشل إلى عام 2005، حيث بدأ «مؤشر الدول الهشّة» (Fragile States Index) الصادر عن «صندوق السلام» الأميركي، بتصنيف الدول وفق معايير علمية تعتمد على مؤشرات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية. وفي كل عام، تتقدّم إلى رأس القائمة دول مثل الصومال، جنوب السودان، هايتي، وأفغانستان؛ دول لم يعد فيها للدولة من معنى سوى الاسم والعلم المرفوع فوق المباني الحكومية الخاوية.
لكنّ هذا التصنيف أثار أيضًا نقاشًا أخلاقيًا وسياسيًا، فهل يحق للمجتمع الدولي أن يُعلن دولة ما “فاشلة” فيضعها تحت وصايته؟ أم أنّ هذه التسمية تُستخدم أحيانًا كذريعة لتبرير التدخلات العسكرية والهيمنة الاقتصادية تحت عنوان «إعادة البناء»؟
إن الفشل بحد ذاته هو حالة إنسانية قبل أن يكون سياسية. فما من دولة تنهار فجأة. فالفشل لا يولد في المؤسسات بل في الضمير العام حين ينهار الرابط بين المواطن والدولة.
حين يشعر المواطن بأنّ دولته لم تعد له، ولا هو لها، يبدأ التآكل من الداخل: تضعف الثقة، تُختَزل الوطنية في العصبيات، وتُفرَّغ المؤسسات من معناها. وهكذا، تصبح الدولة الفاشلة مرآةً لفشل أعمق: فشل في بناء عقد إجتماعي عادل، وفشل في ثقافة المواطنة.
لقد شهدت العقود الأخيرة نماذج صارخة في هذا السياق: الصومال التي تفككت منذ أكثر من ثلاثين عامًا إلى كانتونات عشائرية؛ أفغانستان التي لم تعرف الاستقرار رغم كل محاولات إعادة الإعمار؛ وهايتي التي تتأرجح بين الكارثة السياسية والطبيعية منذ عقود.
وفي كل هذه الحالات، يتكرّر المشهد نفسه: سقوط الدولة يعني صعود قوى ما قبل الدولة كميليشيات و قبائل و طوائف و شبكات مصالح. وتصبح السيادة سلعة تُشترى بالدعم الخارجي أو الولاء الإقليمي.
إن فشل الدولة لا يقتصر على حدودها الجغرافية، بل ينعكس على محيطها الإقليمي والدولي. وينتج عن هذا الفشل موجات نزوح وهجرة جماعية، وتفشي الإرهاب والجريمة المنظمة، وتدهور الأمن الغذائي والبيئي، وتدخلات خارجية بحجّة «المساعدة» أو «الحماية».
أخيرًا وليس آخرًا، ليست كل دولة مأزومة فاشلة، ولكن كل دولة فاشلة كانت يومًا مأزومة تجاهلت إشارات التحذير. الطريق إلى الإنقاذ يبدأ بإعادة تعريف السلطة كـ«خدمة عامة» لا كامتياز خاص، وبإحياء روح المواطنة القائمة على العدالة والمشاركة والشفافية. فالدولة، في جوهرها، ليست جدرانًا ولا مؤسسات فحسب، بل عقد أخلاقي بين الإنسان والسلطة، متى انهار ضاع الاثنان معًا.
إن تطبيق هذا المفهوم على لبنان يُظهّر – مع الأسف – مجموعة من الأمثلة الواقعية التي تجسّد هشاشة الدولة المتراكمة.
فانحلال السلطة المركزية واحتكار القوة الشرعية من خلال سلاح وسلطة ليست بيد الدولة وحدها، ومهمة الجيش تتوازن بين الولاءات والطوائف هذا ما يجعل السيادة مجزأة!
وكذلك انهيار الإدارة العامة والخدمات الأساسية للمواطنين.
فالكهرباء شبه معدومة منذ أكثر من ثلاثة عقود، والمياه محدودة في بلاد الانهار والينابيع، والمستشفيات والجامعات الحكومية تعاني نقص التمويل والكادر، والليرة اللبنانية فقدت أكثر من 98% من قيمتها منذ 2019.
دون أن ننسى سيطرت الفساد على الذهنية اللبنانية وتقييد استقلال القضاء. كم من ملفات عدة خضعت لسلطة السياسيين وسينوريهاتهم التكتيكية وأخرى لا تُعالج … فانفجار مرفأ بيروت لم ينتهي بعد، والقضاء يعاني من التدخل السياسي والطائفي. كذلك الانقسام في القرار السياسي وتعدد المرجعيات. فالمجلس النيابي منقسم ومؤسسات الدولة مشلولة… ما يدفع اكثر وأكثر بتآكل الثقة والمواطنة. لان المواطن لا يجد الدولة له بل تسرق عمره واقتصاده وتعبه، ويفقد الثقة بالمؤسسات التي لا تزال هيكليتها معيوبة بالفساد ، ويعتمد على الدعم الحزبي أو الخاص لتأمين حياته اليومية وسير أموره الحياتية حتى الضرورية. الى ان صار ت الهجرة حلم، والمبكي أنها هجرة جماعية للنخب، للجامعيين الشباب والأطباء والأساتذة والادمغة ما يهدد التجدد الاجتماعي والاقتصادي.
وناهيك عن الانعكاسات الإقليمية والدولية. فلبنان يتحول إلى حقل صراع إقليمي وصندوق بريدي للرسائل السياسية، والفشل الداخلي يتعدى حدوده ليصبح تهديدًا للأمن الجماعي في المنطقة.
ولكن رغم كل شيء لبنان ليس “دولة فاشلة” تمامًا بعد، لكنه على حافة الفشل الكامل – إذا صح تحليلنا – ودوره في المنطقة يعكس الخطر الذي ينتج عن الدولة المتداعية داخليًا. إنقاذه يتطلب إعادة بناء الثقة، المؤسسات، والمواطنة من الإنسان نحو الدولة، لا العكس.
الوسوم
الدولة السلطة الملف الإستراتيجي لبنان وطني




