ازمة لبنانالاحدث

لو لم يدخل لبنان الحرب لكان حكما دخل الحرب | بقلم د. محمود الحمصي

ما ان توقفت الحرب الإسرائيلية على لبنان وانتهاكها للاتفاق بعد فشلها في تحقيق مكاسب عسكرية على الارض حتى بدأ الشارع يغلي، ما الذي جعلنا نشارك في الحرب، انها ليست حربنا، حرب الاخرين، ذهبوا ليصلوا في القدس فخسروا الصلاة في السيدة زينب. لم يكن هذا التساؤل غريباً، فالجميع يجزم بالخسارة التي مني بها لبنان جراء الحرب الاخيرة، ولكن هل لبنان شارك في الحرب حقا لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، ام ان لبنان استدرج الى الحرب الاخيرة في مؤامرة عالمية .محضرة مسبقاً بتخطيط خارجي وتنفيذ حركة حماس

دسنستعرض في هذا المقال الوقائع الاخيرة ما قبل وخلال الحرب التي ادت لانهيار محور المقاومة وتحقيق اسرائيل مكاسب استراتيجية حقيقية.

محاصرة اسرائيل
بعد انتصار لبنان عام ٢٠٠٦ في حرب تموز بدأ حزب الله بترميم ما خسره خلال الحرب حينها، وكان الهدف الأساسي في العمل على الية لدعم القضية الفلسطينية ورسم معالم المنطقة المستقبلية.

فمن خلال تصريحات بعض قيادات المقاومة فقد تم وضع هدفاً واحداً وهو دعم فلسطين من كافة الجهات التي تحد اسرائيل. فاصبحت اسرائيل محاطة بعدة جهات تحاصرها وكانت سوريا المحطة الأساسية لتوزيع الأدوار وادارة العمليات ودعم قطاع غزة بهدف دعم المقاومه الفلسطينيه عسكريا وماليا وتثبيت موقفها العسكري بالإضافة الى دعم المقاومه في الضفة الغربية لبناء مقاومة شبيهة بالمقاومة اللبنانية في فترة الإحتلال الإسرائيلي لقرى الجنوب.

الازمة السورية
بعد انطلاق الثورة السورية التي في ظاهرها اصلاحي وباطنها امداد الغاز الى اوروبا من قطر واعادة النفوذ التركي الى سابق عصره وكسر القاعدة الأساسية للمحور عن طريق وقف الإمداد للمقاومة في لبنان وفلسطين. اخذت حماس موقفا معاديا لسياسة المحور وبدأت بدعم المسلحين الذين قاتلوا النظام السوري حينها وزودتهم بكامل الخطط العسكرية لبناء الانفاق وقاتلت النظام عسكريا بعد تفوق المشاعر الطائفية على المشاعر القومية لديها، فغيرت كامل توجهاتها وبدلا من العمل لتحرير القدس ووقف الاستيطان كان العمل لتحرير حمص والغوطة وغيرها من المناطق السورية من الجيش السوري، وبعد انتصار الجيش السوري مع حلفاءه على المسلحين المعارضين، عادت حماس الى المحور وتسامح الاخير معها كونها تعرضت للاغراءات وجل من لا يخطئ.

قلق اسرائيل
ولد حلف المقاومة والمحور حالة قلق شديدة لدى اجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وكان الشعور داخل إسرائيل ان هناك هجوم وشيك من محور المقاومة يوما ما، وكانت الإشكالية الرئيسيه ليست هل سيتم اقتحام اسرائيل من كامل الجبهات، بل متى سيتم هذا الاقتحام؟ خاصة بعد تعزيز النفوذ الإيراني في الجنوب السوري، وقد عملت اسرائيل بكامل قوتها على التدريب للقتال على عدة جبهات في نفس الوقت واجراء المناورات للاستعداد لهذا اليوم الذي سيغير حكما وجه المنطقة.

اقتحام غلاف غزة
في السابع من اوكتوبر عام ٢٠٢٣، وفي قرار منعزل عن كافة حلفاء حماس في محور المقاومة، اقتحمت حماس منفردة غلاف قطاع غزة وسيطرت على بعض المواقع العسكرية في مشهد بدأ وكأنه نهاية دولة إسرائيل، وبدأ الشارع العربي يغرد ويشعر بنشوة النصر دون ادراكه ان اسرائيل قد تكون خططت لهذه المعركة وهل يعقل ان اجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لا تعلم ماذا يجري في قطاع غزة، وعدد المقتحمين واسماؤهم والتاريخ والمكان، خاصه بالتفوق العسكري الإسرائيلي التكنولوجي والاستخباراتي وتفوق اسرائيل في الذكاء الاصطناعي والاقمار الاصطناعية، ولنفترض ان جميع اجهزة المخابرات الإسرائيلية كانت غافلة وفي نوم عميق، الم تحذر المخابرات المصرية اسرائيل قبل يوم واحد ان هناك تحضير لاقتحام اسرائيل وقد اعلنت مصر حينها بكل صراحه: لقد حذرنا اسرائيل ولكنها لم تكترث. ولن تكترث فهي من تحضر وتخطط لانها لن تنتظر المعركة الجماعية بل ستقاتل في معركة تكون فيها هي المظلومة امام الرأي العام العالمي كونها تتعرض لهجوم فكان لها ما ارادت وقد تكشف الايام والسنين هذا المخطط الجهنمي الذي دمر المحور وجعله مكشوفا وادخله في معركة لا يريدها وغير متوقعة ليسند فيها حماس التي ارادات ان تنهي وجودها وقضيتها وتنهي داعميها في عملية اقل ما يمكن توصيفها بأنها عملية حمقاء وغبية.

معركة اسناد غزة
ما ان بدأت عملية طوفان الاقصى والعملية الإسرائيلية المعاكسة في غزة حتى تعالت الاصوات العربية واللبنانية ورجال الدين والاعلام العربي والعالمي، والصحف، والمحللين والشارع بشكل ممنهج هدفه ادخال المقاومة اللبنانية في الحرب: اين حزب الله، ايران هي السبب، حماس لوحدها، اريئتم معركتهم مع السنة، لاحظتم لم يساندوا غزة، الحزب الحامي لاسرائيل، حاربوا من اجل الاسد، سلموا سلاحكم الان فهو لقتل السنة والشعب اللبناني والعرب وبدأت المظاهرات والاحتجاجات التي جعلت من المقاومة اللبنانية حزباً هدفه الدفاع عن اسرائيل وحماية حدودها، وصولاً إلى صراخ رجال الدين والمشايخ واتهام المقاومة اللبنانية بقتل السنة والنفاق. بعد يوم واحد فقط بدأت عملية مساندة غزة من قبل المقاومة اللبنانية التي بداتها من مزارع شبعا المحتلة ورغم ذلك، استمرت المناشدات والصراخ الإعلامي والخطب الدينية: تقصفون عواميد اسرائيل، تكذبون، تنافقون، وقد حافظت المقاومة اللبنانية على وتيرة معينة خرقتها اسرائيل وشنت حرباً انهت فيها معركة اسناد غزة لتطل نفس الاصوات ونفس رجال دين والحملات الإعلامية: لو كنت اعلم، دمرتم لبنان، سلموا سلاحكم.

ليكون لبنان والمحور استدرج الى حرب لن يستطيع تجنبها فهي فرضت عليه ومخططا لها وحتى لو لم يدخل لبنان الحرب، ستنطلق صواريخ مجهولة ليتم الرد عليها إسرائيليا بقسوة ليدخل لبنان الحرب.

ماذا لو لم تدخل المقاومة اللبنانية الحرب
لنفترض سيناريو مختلف عما جرى، ولنجعل سردية مفترضة غير التي حصلت: بعد بدأ معركة طوفان الاقصى وطلب الداخل الفلسطيني بضرورة مساندة غزة من لبنان وغيرها من الجبهات، اعلنت المقاومة اللبنانية بلسان امينها العام السيد حسن نصرالله بشكل واضح، لن ندخل المعركة، حماس دخلت من دون التنسيق معنا، ولن ندخل لبنان في الحرب كونها غير مثمرة وغير فعالة ولن تحقق اهداف المحور، وسيعمل المحور من خلال القنوات الديبلوماسية على حل قضية المخطوفين. عندها وفي اول جمعة من الحرب سينزل الاف اللبنانيين على الطرقات لقطعها، المقاومة في لبنان هي لقتال السنة، لم تساند غزة الجريحة لانهم سنة، سيتجه بعض اللبنانيين الى الحماية الذاتية بسبب انفلات الوضع الامني، سيتم وضع كافة المخيمات في حالة حرب مع إسرائيل ولكن سيتم البدء بمواقع الحزب التي تحمي اسرائيل، سيشتعل لبنان من جنوبه الى شماله، سينطلق صواريخ على اسرائيل سترد عليها اسرائيل بقصف لبنان، سيحاول لبنان بشتى الوسائل وضع حد للحرب ليتم فتح جبهة الشام والقضاء على الأسد، ليعمل حزب الله على مساندة الاسد لينفجر الوضع اللبناني اكثر فاكثر وتكون حرباً اهلية لها بداية دون نهاية ويسقط الاسد بدعم دولي ويساند الجولاني والفصائل السورية جبهات القتال في لبنان نصرة للبنانيين الذين يقاتلهم الحزب لنكون امام واقع اخطر بكثير جدا مما نحن عليه الان.

محمود أحمد الحمصي

الدكتور محمود الحمصي، باحث ومحلل سياسي، مولود في بيروت حاصل على دكتوراه الفلسفه في الادارة العامة ومحاضر في جامعة بيروت العربية، شارك في العديد من المقالات العلمية والبحثية المتعلقة بالشؤون الإقليمية والدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى