الاحدثدولي

آفاقُ التفاوُضِ بين إيران والغرب بعد الحرب: قراءةٌ في مُرَبَّعِ القوّةِ والضُعفِ والفُرَصِ والتهديدات | بقلم د. بيار الخوري

دخلت إيران مع الغرب مرحلةً جديدةً من التوتّرِ المَشوبِ بالترقُّبِ بعد انتهاءِ الجولةِ العسكرية الأخيرة التي استهدَفَت منشآتٍ حسّاسة داخل الأراضي الإيرانية. الحربُ لم تَكُن طويلة من حيثُ الزمن، لكنها كانت عميقة في تأثيرها الاستراتيجي. صحيحٌ أنَّ الضرباتَ الجويّة والصاروخية حقّقت أهدافًا تكتيكية مُحَدَّدة، إلّا أنَّ نتائجها على المَدَيَين السياسي والديبلوماسي لا تزالُ قَيدَ التشكُّل، مما يجعلُ الحديث عن آفاق التفاوُض مسألة مفتوحة على احتمالات متعدّدة.

من جانبِ إيران، المَشهَدُ غامضٌ ومُتناقِض. فمن جهة، تعرّضَت البلادُ لأضرارٍ كبيرة في البنية التحتية لبرنامجها النووي والصاروخي، وهو أمرٌ لا يُمكِنُ التقليلُ من شأنه سواء من حيثُ حجم الخسائر المادية أو من حيث تأثيره النفسي على النُخبة الإيرانية. مُنشآتٌ تم بناؤها على مدارِ سنواتٍ بميزانيات ضخمة وجهودٍ علمية وتقنية مُعقّدة، باتت اليوم بحاجة إلى إعادةِ تأهيلٍ قد تستغرق وقتًا طويلًا. ومع ذلك، فإنَّ الرواية الرسمية في طهران تحرصُ على التأكيد بأنَّ البرنامجَ لم يتوَقّف، وأنَّ “الإرادة الوطنية” قادرةٌ على تجاوُزِ الأضرار.

في المقابل، يَظهَرُ الجانبُ الآخر من الصورة: قدرةُ إيران على امتصاصِ الصدمة السريعة، ومهاراتها المُتراكِمة في إدارةِ الأزمات تحتَ الضغط. طهران لطالما أبدت قدرةً على التكيُّف مع المُتغيِّرات الميدانية، واستخدمت خطاب “المظلومية والمقاومة” لبناءِ حالةٍ داخلية من الالتفاف الشعبي، وإن كان ذلك الالتفاف يبدو هذه المرة أقل حماسةً من ذي قبل بفعل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والغضب الشعبي المتزايد من تدهور الخدمات الأساسية.

الأطرافُ الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الأوروبية، تُدرِكُ تمامًا أنَّ الحربَ لم تُحقّق النتيجةَ الكُبرى التي طالما سعت إليها: شلّ البرنامج النووي الإيراني بشكلٍ نهائي. صحيحٌ أنَّ الضربات أبطأت وتيرةَ التقدُّم، وألحقت خسائرَ فادحة بمراكز التخصيب والتطوير، لكن إيران لا تزال تمتلك المعرفة العلمية والبشرية اللازمة لإعادة البناء. ولعلَّ هذه الحقيقة هي التي تُفسّرُ الحراك الديبلوماسي المُتسارِع، بين محاولةِ استثمار حالة الضعف النسبي في طهران، وبين القلق من أن يؤدي استمرارُ الضغطِ إلى دَفعِ إيران نحو خياراتٍ أكثر تطرُّفًا.

في هذا السياق، تبدو آفاقُ التفاوُضِ مرهونةً بمجموعةٍ مُتشابكةٍ من عناصر القوة والضعف والفُرَص والتهديدات لكلا الطرفَين. من جهة إيران، تبدو أوراق القوّة واضحة في قدرتها على التلويح باستئناف أنشطة التخصيب بوتيرةٍ أعلى من السابق، أو حتى الانسحاب الكُلّي من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو سيناريو يُثيرُ قلقَ العواصم الغربية. كذلك، تمتلكُ إيران القدرةَ على تصعيدِ التوتّرِ في مناطق نفوذها الإقليمي عبر وكلائها، من العراق إلى لبنان واليمن. مثل هذه التحرُّكات قد تُعقّدُ حسابات الغرب وتدفعه للقبول بتسوياتٍ أقل طموحًا مما كان يُخطِّطُ له.

لكن في المقابل، لا يُمكِنُ تجاهُلُ حجمَ الضغوطِ الاقتصادية التي تُعاني منها إيران. العقوبات الأميركية والأوروبية باتت خانقة إلى حدٍّ كبير، وعائدات النفط انخفضت إلى مستوياتٍ تجعلُ من الصعب على الحكومة الإيرانية الاستمرارَ في تمويلِ مشاريعها العسكرية والخارجية كما في السابق. الأضرارُ التي لحقت بالبنية التحتية النووية والصاروخية تعني ضرورةَ ضخِّ استثماراتٍ ضخمة لإعادة التأهيل، في وقتٍ تُعاني البلاد من نقصٍ حاد في السيولة والموارد. إضافةً إلى ذلك، تعيشُ طهران أزمةَ ثقة مُتصاعدة في الداخل، حيث بدأ الشارعُ الإيراني يُعبّرُ بوضوح عن استيائه من التزاماتِ النظام النووية والخارجية على حساب مستوى معيشته اليومية.

على الطرفِ الآخر، تبدو الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في وضعٍ لا يخلو من نقاطِ ضُعف. أوّلها أنَّ الخيارَ العسكري، رُغمَ فاعليته الجُزئية، لم يُحقّق أهدافه النهائية. الضرباتُ التي تمَّ تنفيذها لم تؤدِ إلى انهيار النظام أو توقُّف البرنامج النووي بشكلٍ نهائي، بل أدت فقط إلى تأخيره. ثانيًا، هناكَ خلافاتٌ واضحة داخل المعسكر الغربي حولَ كيفية التعامُل مع إيران في المرحلة المقبلة. ففي الوقت الذي تميل تل أبيب إلى تشديد الخناق العسكري والاقتصادي، تدعو أطرافٌ أوروبية إلى إعطاءِ مساحةٍ أكبر للديبلوماسية، خوفًا من انزلاق المنطقة إلى حربٍ إقليمية مفتوحة فيما تحاول الولايات الولايات المتحدة إنضاجَ تسويةٍ سريعة على قاعدة عجز طرفي الحرب.

إسرائيل، تُراقِبُ المشهدَ بقلقٍ مُتزايد. تل أبيب تُدرِكُ أنَّ إيران، رُغمَ الأضرارِ التي لحقت بها، لم تَفقُد إرادةَ الردِّ أو القدرة على ترميم قوّتها تدريجًا. من هنا، يبرزُ التوتّرُ بين رغبةِ إسرائيل في استمرارِ الضغطِ العسكري، وبين إدراكها أنَّ كلَّ جولةِ تصعيدٍ جديدة قد تفتحُ البابَ أمامَ ردودٍ غير محسوبة من إيران أو من حلفائها في المنطقة.

من بين العوامل الجديدة التي تدخُلُ على خطِّ المعادلة، مسألة العلاقات الإيرانية مع كلٍّ من روسيا والصين. التصعيدُ الأخير قد يدفعُ طهران إلى تعميق تحالفاتها مع هاتين القوتين، سواء عبر التعاون العسكري أو من خلال اتفاقات اقتصادية طويلة الأمد (أمرٌ تردّدت فيه طهران حتى اليوم)، وهو ما يخلق قلقًا غربيًا من اتساع الفجوة الجيوسياسية بين إيران والغرب.

في ظلِّ هذه المعطيات، يصبحُ التفاوُضُ ضرورةً مُلحّة لكلا الطرفَين، لكنه تفاوضٌ محفوفٌ بالعراقيل. إيران تدخلُ إلى طاولة التفاوض بأوراقٍ من نوعية: التلويح بتصعيدٍ نوويٍّ سريع، وتهديدِ المصالح الغربية عبر الإقليم، والمراهنة على الخلافات داخل المعسكر الغربي. في المقابل، يملك الغربُ أدواتَ ضغطٍ اقتصادية هائلة، إضافةً إلى التفوُّق العسكري، وإمكانية استصدارِ قراراتٍ دولية جديدة تزيد من عزلة طهران.

لكنَّ التحدّي الحقيقي يكمنُ في الهوّة العميقة في مواقف الطرفَين. إيران تُريدُ اتفاقًا يضمنُ لها رفع العقوبات ويحفظ لها جُزءًا من برنامجها النووي، بينما يطالب الغرب باتفاقٍ أكثر صرامة من الاتفاق النووي السابق، يشمل قيودًا طويلة الأمد على تخصيب اليورانيوم، وضمانات صارمة على الرقابة الدولية، وامتدادات قد تشمل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

في المحصّلة، يُمكنُ القولُ أنَّ المشهدَ مفتوحٌ على ثلاثة سيناريوهات رئيسة: الأوّل هو الوصول إلى اتفاقٍ مرحلي مؤقت يكسَبُ الجميع فيه وقتًا إضافيًا. الثاني هو الانزلاقُ إلى جولةٍ جديدة من التصعيد قد تكون أكثر دموية من سابقتها. أما الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، فهو الدخول في مفاوضاتٍ طويلة ومعقّدة، قد تمتدُّ شهورًا، في ظلِّ استمرار لعبة عضِّ الأصابع بين الطرفين.

ما هو مُؤكّد أنَّ لا إيران قادرة على تحمُّلِ عزلةٍ وعقوبات دائمتَين في ظلِّ أزمتها الاقتصادية المُتفاقِمة، ولا إسرائيل مُستعدّة للدخول في حرب استنزافٍ طويلة الأمد ومُكلِفة في منطقةٍ ملتهبة أصلًا. ويبقى السؤالان التاليان:

– من سيتنازل أوّلًا… وبأيِّ ثمن؟

– وهل كلُّ ما وَرَدَ اعلاه هو تمرينٌ فكري مُفيد، كونَ صاحب “فنِّ الصفقة” قد أنجزَ صفقته بانتظارِ إعلانها على دفعات؟

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى