
عندما استيقظ العالم بعد ثمانين عاماً، وقد أفاق ضميره أخيراً ليعترف بالحقوق الفلسطينية كاملة ، بما في ذلك حق إقامة الدولة المستقلة ، كان ذلك بفضل مسيرة طويلة من النضال والتضحيات والدم عبر السنوات .
الشعب في غزة وصموده الأسطوري الأخير في وجه الإبادة والحريق والتجويع والتهجير حرك الضمائر وأيقظ الإنسانية من سباتها الطويل فاستفاقت.
استجاب العالم أخيرا لنداء الحرية المنبعث من بين الركام والأنقاض ، من صوت الأذان المبحوح من تحت الدمار ، ومن آهات النساء الثكالى والأطفال اليتامى والمجوعين حتى الموت . كان المشهد الإنساني أقوى من كل الدعاية وأصدق من كل الأكاذيب والتزوير .
وقف الضمير العالمي وصحا أخيراً ليقول كلمته بعد أن صمت ثمانين سنة حسوماً.
لكن حين حضر العالم ليعيد الحق إلى أصحابه، لم يجدهم ، لم يجد العرب ! ولم يجد المسلمين.
لم يجد أولئك الذين كانوا يوماً مجتمعين ومجمعين على قضيتهم المركزية . قضية القدس والمسجد الأقصى والأرض التي بارك الله فيها وحولها . لقد تفرقوا أيدي سبأ ، كل حزب بما لديهم فرحون ، وكل دولة مشغولة بشؤونها ومصالحها .
لم تعد تجمعهم القضية المركزية.
لم تعد القضية مركزية ولا مقدسة.
لم يعد الاحتلال هو العدو الأول ، ولا حتى الثاني ، بل لم يعد عدواً عند أكثرهم أصلاً . لقد غيّروا بوصلتهم فاتخذوا لهم أعداء آخرين !
نجحت إسرائيل في احتواء كثيرين من أصحاب القضية ، وأخرجت كثيراً منهم من دائرة العداء إلى دوائر الصداقة والمصالح .
لم تعد أمريكا مجرد طرف في الصراع ، بل تبنت القضية بالكامل وجعلتها ملكية فكرية وسياسية لها ، تحدد بها الولاءات وتوزع عبرها صكوك الغفران أو الغضب .
وحين أفاق الضمير الإنساني ، لم يجد أكثر أهل القضية إلا بين المحايدين أو الوسطاء !
وفي تلك اللحظة التي صحا فيها ضمير العالم متأخراً ولسان حاله يقول كم لبثنا ، لا تزال تُسمع في الزوايا والشوارع بقية من أغنية حزينة ترددها فيروز :
الغضبُ الساطعُ آتٍ،
وأنا كلي إيمان…
القدسُ لنا ، والبيتُ لنا.
إلا أن الملايين التي كانت تملأ آفاق شوارعنا العربية اختفت اختفاءً مدهشاً ، ولم يعودوا يجيبون نداء الجميلتين الثائرتين سوسن الحمامي وأمل عرفة :
الشعبُ العربي وين ؟
الشرفُ العربي وين ؟
وين الملايين ؟
ويرتفع النداء كصرخة في وادٍ فارغ ، يبحث عن أمة كانت هنا ثم غابت ، عن شرفٍ كان يوماً تاجاً فصار ذكرى تلوكها الألسن وتبكيها العيون ، ولم تجد زفرات أمل دنقل الحرّى وتوسلاته استجابة وهو ينشد :
لا تُصالحْ على الدمِّ… حتى بدمْ،
لا تُصالحْ… ولو منحوك الذهبْ .
ولا نفثات فراج الطيب وهو يستدعي نخوتهم حين يقول :
لو كنتُ من يعربٍ،
لم تستبحْ حرمي بنو الأعاجمِ، لا هودٌ ولا تترُ ،
إذن لقام بنصري معشرٌ خُشُنٌ
عند الحفيظِة ما في عودهم خورُ ،
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
في النائباتِ وفي الأهوالِ ما الخبرُ .
ورغم هذا القتام كله ، فإن الأمل لا يموت ما دام في الأمة قرآنٌ يُتلى وقلوبٌ تنبض بالحق وضمائرُ تستحي من أحكام التاريخ .
الوسوم
الصمود القدس الملف الإستراتيجي غزة فلسطين




