في زمنٍ يتسابق فيه الجميع على حجز مقعدٍ في فضاء الأخبار، صار التحقيقُ أول ضحايا العجلة، وصارت الأنباءُ تُروَّق قبل أن تُدقَّق، وتُوزَّن قبل أن تُثبَت. ومن هذا المنطلق، لا يمكننا الوقوف صامتين أمام ما يتعرَّض له زميلي الدكتور محمد قاسم، نجل الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، من حملة افتراءات، تصدر هذه المرة من نائبٍ في البرلمان، في سابقةٍ خطيرةٍ تستحق منّا جميعاً وقفةً تأمّلٍ لا مجرد تضامنٍ شكليّ.
فالأمر، ببساطة، لا يتعلّق بشخصٍ واحد إسمه الدكتور الخلوق محمد قاسم، بل يتعلّق بمعنى السياسة ذاته، وبحدود الكلمة المسؤولة، وبحضور العقل في المكان الذي يُفترض أن تُدار فيه شؤون الناس بحكمةٍ ورشد.
أولاً: من يجلس على مقعد البرلمان يتحمّل أمانةً لا يجوز أن يهدرها
لا يُخفى على أحد أنّ النائب، بحكم موقعه الدستوريّ والأخلاقيّ، ليس صاحب رأيٍّ عادي يُعبّر عن نفسه في مجلسٍ خاص أو عند قهوة الصباح. النائب صوتُ شعب، وممثلُ أمّة، ومدعوٌ قبل غيره إلى أن يكون حارسَ الوحدة الوطنيّة وشريكاً في صناعة الأمن النفسيّ والإجتماعيّ الذي يتنفّسه المواطن. ومن هنا، فإنّ صدور ادعاءاتٍ وافتراءاتٍ من أحد النواب تجاه شخصٍ مرموق بعينه، دون سندٍ ولا برهان ولا حتى حدٍّ أدنى من التثبّت، يُشكّل سابقةً مقلقةً على أكثر من صعيد: فهو خروجٌ عن الوظيفة النيابيّة الأصيلة، وهو تجاوزٌ لأبسط قواعد الإحتراف الصحافيّ والسياسيّ معاً، وهو، وهذا هو الأخطر، استثمارٌ متعمّد في أجواءٍ مشحونةٍ أصلاً، تغلي تحت سطحها بوادرُ سوء ظنٍّ وتفريق، لا نحتاج إليها ولا نستطيع تحمّل ثمنها.
والمسؤوليّة هنا مضاعفة، لأنّ الكلمة النيابيّة لا تصل إلى المواطن كما تصل كلمة الصحافي أو المحلّل؛ إنّها تصل محمَّلةً بثقل المنصب، ومغلَّفةً بهالة السلطة، وموصولةً بشبكة اتصالاتٍ تضخّها في المجال العام وتعمّمها كأنّها حقيقةٌ راسخة. ولهذا، فإنّ الخطأ، لا سيّما المقصود، في هذا المكان يصنع أضعافَ الأذى الذي يصنعه خطأُ غيرِ النائب أضعافاً مضاعفة.
ثانياً: حقيقة الأمر كما قالها النفي القاطع
في مواجهة هذه الإدّعاءات، كان للدكتور محمد قاسم، موقفٌ لا لبس فيه ولا مجال للتأويل، فقد نفى نفياً قاطعاً الإدّعاءات المتداولة حول علاقته بمستودع الأدوية الذي دهمته الأجهزة الأمنيّة في منطقة غاليري سمعان، وأكّد أنّ هذه الإدّعاءات باطلةٌ كل البطلان، ولا تمتّ إلى الحقيقة بصلة. وما يهمّنا هنا ليس مجرد النفي ذاته، بل الإطار الذي وُضِع فيه هذا النفي، والذي يعكس وعياً رشيداً بالمؤسّسات وبالقانون وبالحدود الفاصلة بين التهمة والبراءة. فالدكتور قاسم لم يكتفِ بالتبرؤ من الإتهام، بل أشار بوضوحٍ إلى أنّ هذا الملف بات بعهدة الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة المختصة، وهي على اطلاعٍ كامل بتفاصيله، وأنّ الجهات المعنية وحدها هي المخوَّلة بكشف الحقائق وتحديد المسؤوليّات، وفقًا للأصول القانونيّة الراسخة. وهذه نقطةٌ جوهريّةً ينبغي أن نتوقّف عندها طويلًا، ففي بلدٍ عانى طويلاً من محاولات استبدال محكمة الرأي العام بمحكمة القضاء، ومحاولات تحويل الشائعة إلى حُكم، إنّ الإصرار على إحالة الملف إلى أصحابه الشرعيّين، الأجهزة الأمنيّة والقضاء، هو في ذاته موقفٌ حضاريّ، ودليلٌ على ثقةٍ بالمؤسسات، وإعلانٌ صريح بأنّ الحقيقة لا تُصنع في الاستوديوهات ولا على منصات التواصل، بل في الملفات والتحقيقات والأدّلة.
ثالثاً: لماذا تثير هذه الإفتراءات القلق، لا الغضب فحسب؟
قد يقول قائل: إنّ مواجهة الإدعاءات بالنفي القاطع كافية، وأنّ الملف أخذ طريقه الطبيعيّ إلى القضاء، فلماذا الإصرار على الكتابة والتضامن والتحليل؟ والجواب أنّ ما حدث ليس حادثةً معزولةً، بل نموذجٌ لنمطٍ أوسع يتسلّل إلى حياتنا السياسيّة والإعلاميّة، ويتغذّى على مناخٍ يُسهّل فيه الإنتشارُ الإستسراعَ، والإستسراعُ التهمةَ. وفي مثل هذا المناخ، يتحوّل المستودع المذكور إلى وسيلةٍ للإصطياد في الماء العكر، وإلى فرصةٍ لإلحاق الإتهام بأسماءٍ بعينها قبل أن تتكشف أي حقيقة. وهنا يكمن الخطر البنيويّ: فحين تُقحم الأسماء قبل الأدلة، وحين تُوجَّه الأصابع قبل استكمال التحقيق، فإنّنا لا نخدم الحقيقة، بل نخدم الفتنة. ولا فرق كبيراً بين مَن يتعمّد إثارة هذه الفتنة ومَن يوفّر لها البيئة الخصبة بإهماله أبسط قواعد التثبّت؛ فكلاهما شريكٌ في تهديد السلم الأهليّ الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه.
كما أنّ لهذا النمط أثراً لا يُمكن تجاهله على مستوى الثقة العامة: فكل افتراءٍ يمرّ دون تكلفة، يُرخِّص لافتراءٍ جديد، وكل إسمٍ يُشوَّه دون محاسبةٍ يصبح سابقةً تشجّع غيرَ صاحبه على اتّباع الدرب ذاته. وإذا استمرّ الأمر على هذه الحال، فإنّ المجال العام سيتحوّل تدريجيّاً إلى ساحة اتهاماتٍ متبادلة لا يعلو فيها صوت الحقيقة على صخب الشائعة، وهو مصيرٌ لا يتمنّاه لبلاده عاقل.
رابعاً: التضامن هنا واجبٌ أخلاقي قبل أن يكون موقفاً وطنيّاً
إنّ التضامن مع الدكتور محمد قاسم في هذه اللحظة ليس تفضُّلاً ولا مجاملةً، بل واجبٌ أخلاقيّ ووطنيّ يُمليه علينا التزامٌ مشترك بمعايّير لا تقبل التفاوض: قرينة البراءة، والحق في سمعةٍ وكرامةٍ لا تُجامل على منصّات التواصل، وحق المجتمع في سياسيّين وإعلاميّين يرفعون راية التثبّت لا راية الإصطياد.
وليس التضامن هوساً بالأشخاص، بل هو في أعماقه تضامنٌ مع المبدأ. فنحن نتضامن مع حقيقةٍ مفادها أنّ أحداً أيًّا كان اسمه وانتماؤه لا يجوز أن يُرمى بالتهم دون دليل، وأنّ المنصب النيابيّ أمانةٌ تُحمى من سوء الإستخدام لا أداةٌ تُستخدم في حروب الإفتراء، وأنّ الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة المختصّة هي المرجع الوحيد الذي يحق له ويقدِر على كشف الحقائق وتحديد المسؤوليّات.
وهذا التضامن لا يعني، والتأكيد هنا ضروريّ، تجاوز أي مخالفةٍ قد تكشفها التحقيقات في ملف المستودع ذاته؛ فالقضيّة قضيّتان لا قضيّة واحدة: قضيّة المستودع تُعالَج بالقانون وبأساليب القانون، وقضيّة الإفتراء على الدكتور قاسم تُعالَج بقرينة البراءة وإدانة الإفتراء. ومن يخلط بين القضيّتَيْن إما مغالطٌ أو مغرض.
في الختام، لا يسعنا إلّا أن نُعيد التذكير بأنّ السياسة في أسمى تجليّاتها فنُّ إدارة الخلاف والإختلاف بأدوات العقل والحوار والقانون، لا فنُّ تصنيع العداوات وتوزيع التهم. وعلى النائب الذي أفرد لسانه للإفتراء أن يعود إلى جادة الطريق، وأن يستحضر أنّ حرية الكلمة لا تعني انفلاتها من المسؤوليّة، وأنّ الموقع النيابيّ ميزانيةٌ تُحاسَب عليها يومًا ما، أمام الله ثم أمام الناس.
أما الدكتور محمد قاسم، فقد قال كلمته الواضحة، وحسم أمره بالنفي القاطع، وأحال الملف إلى أهله الشرعيّين، فبقي على من أساء الظنّ وعلى من أساء القصد أن يتثبّتوا ويتحرّوا ويحترموا عقول الناس قبل أي شيء آخر.
ولنختم بحقيقةٍ لا يُجادل فيها إلّا جاهل: فالبلاد التي نحبها لا تحتاج إلى مزيدٍ من الشائعات ولا إلى مواسم افتراءٍ متعاقبة؛ تحتاج إلى سياسيّين يتقنون فنّ العيش المشترك، وإلى كلمةٍ مسؤولة تبني لا تهدم، وإلى قضاءٍ يسير في طريقه دون ضغوطٍ ولا ابتزاز. وكل مسؤولٍ نائباً كان أو غير نائب لا يلتزم هذا الدرب، فإنّه يتحمّل وحده مسؤوليّة ما يُزرع من فتنٍ وما يحصد من أذى، والتاريخ الذي لا يرحم، سيُكتب اسمه في خانة من عكّر صفو العيش المشترك والإنصهار الوطنيّ والديمقراطيّة اللبنانيّة التوافقيّة.




