الاحدث

كيف حافظت الصين على صدارتها الاقتصاديّة رغم الضغوط الدوليّة؟ | بقلم د. رنا منصور

رغم ما تشهده الصين من تباطؤ اقتصاديّ واضح وتحديّات بنيويّة داخليّة، ورغم تصاعد الضغوط التجاريّة والسياسيّة الدوليّة، لا تزال بكين تحافظ على موقعها كقوة اقتصاديّة عالميّة وفاعل رئيس في النظام التجاريّ الدولي. ويطرح هذا الواقع سؤالاً محوريّاً: كيف استطاعت الصين، في خضم هذه المؤشرات السلبيّة، أن تحافظ على صدارتها الاقتصاديّة وأن تسجّل فائضاً تجاريّاً قياسيّاً يناهز تريليون دولار في عام 2025؟

 

تشير المؤشرات الاقتصاديّة الأخيرة إلى مرحلة دقيقة يمرّ بها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. فقد تباطأ نمو الإنتاج الصناعيّ إلى أدنى مستوياته خلال 15 شهراً، وسجّلت مبيعات التجزئة أضعف أداء لها منذ رفع قيود كوفيد-19، في ظل ضعف إنفاق المستهلكين وتراجع الاستثمار واستمرار أزمة القطاع العقاريّ. فمبيعات التجزئة لم تتجاوز نمواً سنويّاً بنسبة 1.3% في تشرين الثاني، فيما تباطأ نمو الإنتاج الصناعيّ إلى 4.8%، وتعاظم تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة، في حين واصل القطاع العقاريّ انكماشه الحاد، مع تراجع الاستثمارات وأسعار المنازل في معظم المدن الصينيّة.

 

تعكس هذه المعطيات تحوّلاً هيكليّاً في الاقتصاد الصينيّ، حيث لم يعد النمو المرتكز على الاستثمار العقاريّ والإنفاق الحكوميّ الضخم قادراً على لعب الدور نفسه الذي أدّاه خلال العقدَيْن الماضيَيْن. كما أنّ تباطؤ مبيعات التجزئة للعام السادس على التوالي يكشف ضعف الطلب الإستهلاكيّ الداخليّ، وهو ما دفع صندوق النقد الدوليّ إلى التحذير من أنّ الصين “كبيرة جداً بحيث لا يمكنها الإعتماد على الصادرات وحدها لتحقيق النمو”، داعياً إلى تسريع التحوّل نحو نموذج اقتصاديّ قائم على الإستهلاك المحليّ والإصلاح الهيكليّ.

 

إلّا أنّ قراءة المشهد الصينيّ لا تكتمل من خلال هذه المؤشرات وحدها. فعلى الرغم من هذا التباطؤ، نجحت الصين في الحفاظ على تفوّقها التجاريّ العالميّ، مسجّلة فائضاً غير مسبوق في عام 2025، في عام هيمنت عليه حرب الرسوم الجمركيّة المتبادلة مع الولايات المتّحدة، وتهديدات أوروبيّة وآسيويّة بفرض قيود إضافيّة على الصادرات الصينيّة. هذا الفائض لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة استراتيجيّة اقتصاديّة متعدّدة الأبعاد اعتمدتها بكين لمواجهة الضغوط الخارجيّة.

 

أول هذه الأبعاد يتمثّل في القدرة العالية على إعادة توجيه التجارة الخارجيّة. فمع تزايد القيود في الأسواق الغربيّة، عززت الصين حضورها في أسواق بديلة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّة، مستفيدة من مبادرة “الحزام والطريق” ومن اتفاقيّات الشراكة الاقتصاديّة الإقليميّة. هذا التنويع خفّف من أثر القيود الجمركيّة الغربيّة، وأتاح للمنتجين الصينيّين قنوات تصدير جديدة.

 

ثانياً، واصلت الصين تعزيز تفوّقها في سلاسل القيمة الصناعيّة، ولا سيّما في قطاعات التكنولوجيا المتقدّمة، والطاقة المتجدّدة، والمركبات الكهربائيّة، والبطاريات، والذكاء الإصطناعيّ. ففي هذه القطاعات، لا تقتصر الميزة الصينيّة على انخفاض الكلفة، بل تشمل القدرة على الإنتاج واسع النطاق، وسرعة الابتكار، والدعم الحكوميّ الموجّه، ما يجعل من الصعب على المنافسين الدوليّين إقصاء الصين من السوق العالميّة.

 

ثالثاً، اعتمدت بكين سياسة ماليّة ونقديّة حذرة نسبيّاً، حافظت من خلالها على استقرار سوق العمل، إذ استقر معدّل البطالة في المناطق الحضرية عند 5.1%، وهو ما ساهم في تجنّب صدمات اجتماعيّة واسعة رغم التباطؤ الاقتصاديّ. كما فضّلت السلطات الصينيّة حتى الآن عدم الإنخراط في حزم تحفيز ضخمة قد تفاقم الإختلالات الماليّة، مركّزة بدلاً من ذلك على إصلاحات تدريجيّة طويلة الأمد.

 

غير أنّ هذه الإستراتيجيّة لا تخلو من المخاطر. فاستمرار الإعتماد الكبير على الصادرات في ظل اتّجاه عالميّ لكبح الصادرات الصينيّة، كما عبّر عن ذلك قادة غربيّون مثل الرئيس الفرنسيّ “إيمانويل ماكرون”، وقرارات دول كالمكسيك برفع الرسوم الجمركيّة، قد يفرض على الصين تسريع تحوّلها الداخليّ. كما أنّ أزمة القطاع العقاريّ، المرتبطة بنحو 70% من ثروة الأسر الصينيّة، تمثّل تحديّاً هيكليّاً يتطلّب معالجة مكلفة قد تصل إلى ما يُعادل 5% من الناتج المحليّ الإجماليّ خلال السنوات المقبلة، وفق تقديرات صندوق النقد الدوليّ.

 

في المحصلة، فإنّ حفاظ الصين على صدارتها الاقتصاديّة رغم الضغوط الدوليّة لا يعني غياب التحدّيات، بل يعكس قدرة عالية على التكيّف الإستراتيجيّ، وإدارة الأزمات، وإعادة توجيه الموارد والأسواق. غير أنّ المرحلة المقبلة ستتطلّب من بكين أكثر من مجرد الصمود؛ إذ إنّ الإنتقال إلى نموذج نمو أكثر توازناً، قائم على الإستهلاك المحليّ والإصلاح الهيكليّ العميق، سيكون شرطاً أساسيّاً للحفاظ على هذه الصدارة في عالم يشهد تصاعداً في الحمائيّة والإنقسام الاقتصاديّ.

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى