الاحدثالشرق الاوسط

إيران أزمة الحكم والمعارضة معاً | بقلم د. بيار الخوري

في مطلع العام الجديد، تبدو طهران أمامَ مرحلةٍ مفصلية تتسم بتراكُم أزماتٍ اقتصادية وسياسية ومؤسّساتية أدَّت إلى تآكُلِ ما كان يُوصَفُ سابقًا بالاستقرار البُنيوي للدولة. وقد أسفرت التطوّرات الأخيرة عن وضع الدولة والمجتمع أمامَ مسارَين غير مُستقرَّين، في ظلِّ محدودية الخيارات المتاحة.

من جهة، تنظر قطاعات المُحتجّين إلى التدهور الاقتصادي بوصفه فرصةً أخيرة للمطالبة باستعادةِ حقوقٍ اقتصادية واجتماعية خارج الأُطُرِ الإيديولوجية التقليدية. ومن جهة أخرى، تُواجِهُ الدولة ضغوطًا مُرَكَّبة تضعها أمام خيارَين رئيسيين: إما تبنّي مُقاربة أمنية أكثر تشدُّدًا لمحاولة احتواء الأزمة الداخلية، أو الانخراط في تسوياتٍ سياسية واقتصادية مع أطرافٍ دولية فاعلة بهدفِ الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، ولو على حساب جُزءٍ من استقلالية القرار السيادي.

في هذا السياق، لم يعد دور الدولة محصورًا في تنظيم المجالين السياسي والاقتصادي، بل باتَ مَوضِعَ جدلٍ داخلي وخارجي، حيث تتقاطع الضغوط الأميركية مع الاحتجاجات الداخلية في عمليةِ تفاوُضٍ غير مُعلَنة حول مستقبل النظام السياسي، في ظلِّ تراجُعٍ فعلي لتأثير الإرادة الشعبية مُقارنةً بثقل التفاهُمات الدولية.

وتزدادُ حالةُ عدمِ اليقين المُرتبطة بمستقبل القيادة العليا في البلاد مع تقدم المرشد الأعلى علي خامنئي في السن، لا سيما بعد سلسلةٍ من الأحداث الإقليمية المفصلية، بما في ذلك تداعيات التطوُّرات في لبنان وسوريا، إضافةً إلى الحرب القصيرة التي اندلعت في حزيران (يونيو) 2025، والتي تركت آثارًا سياسية وأمنية عميقة.

اقتصاديًا، تشهد السوق الإيرانية اختلالات حادة، تجلت في الانخفاض القياسي لقيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، إلى مستويات غير معقولة أربكت النشاط التجاري ودمّرت القدرة الشرائية. وقد أدى هذا الواقع إلى تحوُّلات في أولويات المواطنين، حيث لم تَعُد المطالب مُقتَصرة على الاحتياجات المعيشية الأساسية، بل اتجهت نحو التساؤل حول النموذج الاقتصادي-الاجتماعي القائم، في ظلِّ تراجُع فعالية الامتدادات الإقليمية التي شكّلت سابقًا أحد مرتكزات الخطاب الرسمي.

في هذا الإطار، يواجه الرئيس ا”لإصلاحي” مسعود بزشكيان هامشًا محدودًا للمناورة السياسية، في ظلِّ ضغط الشارع من جهة، وثقل المؤسّسات الأمنية والعسكرية من جهة أخرى، والتي قد تتجه إلى إعادة صياغة دورها ضمن مقاربة قومية براغماتية تهدف إلى الحفاظ على تماسُك النظام.

على الصعيد الدولي، تعتمد الولايات المتحدة مُقاربةً مزدوجة تجاه إيران، تجمع بين التصعيد والضغط من جهة، وفتح قنوات تفاوض مباشرة أو غير مباشرة من جهة أخرى، من بينها الاتصالات التي يُشار إلى أنها جرت بين وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيفن ويتكوف. ويبدو أنَّ الحراك الشعبي الإيراني يُوظََّفُ في هذا السياق كأداةِ ضغطٍ تفاوضية لدفع طهران نحو قبول شروطٍ أكثر تشدُّدًا تتعلق بالملفّين النووي والصاروخي، ضمن مقاربة تعطي الأولوية للاعتبارات الاستراتيجية الأميركية على حساب مطالب المحتجّين.

في المقابل، يُلاحَظُ غيابُ موقفٍ داعمٍ فعّال من القوى الشرقية الكبرى. فروسيا، المنخرطة في تحدّياتها الخاصة، والصين، التي تراقب التطورات بحذر في ظل صراعها الاقتصادي المعقّد مع الولايات المتحدة، اختارتا تقليص مستوى الانخراط، مُفَضِّلتين عدم المجازفة بمواجهة قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الدولي. ويوازي ذلك تباين داخل الإدارة الأميركية بين تيار يدعو إلى تصعيدٍ حاسم، وآخر يفضّل التوصُّل إلى تسوية شاملة تضمن تهدئة طويلة الأمد مقابل استمرار النظام بشروط جديدة.

إقليميًا، تراجعت قدرة إيران على التأثير في عددٍ من الساحات التي شكّلت سابقًا عمقها الاستراتيجي. فقد أدت التطوُّرات في سوريا منذ شتاء 2024 إلى إضعاف الامتداد الإيراني في شرق المتوسط، فيما يواجه نفوذ طهران في لبنان واليمن ضغوطًا متزايدة، ما جعل الداخل الإيراني أكثر عُرضةً لاستراتيجيات احتواء وضربات وقائية تنتهجها إسرائيل في إطار ما يُعرف بسياسة “جَزّ العشب”.

وعليه، يشكّل العام 2026 نقطةَ انطلاقٍ لسيناريوهات مفتوحة. فإما أن تنجحَ المسارات الديبلوماسية غير العلنية في بلورةِ اتفاقٍ يُخفّفُ حدّة التوتر ويمنحُ النظام فترةَ استقرارٍ مُتجدّدة، أو أن تتفاقم الأزمات الداخلية بما يؤدّي إلى تحوُّلات جذرية في بنية الدولة وانعكاسات واسعة على توازنات المنطقة. وفي ظلِّ هذا المشهد غير الواضح، يبقى مستقبل إيران مفتوحًا على احتمالاتٍ متعددة تتراوح بين إعادة تشكّل النظام السياسي أو الدخول في مرحلة عدم يقين عميقة على مستوى الدولة والإقليم.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى