إيران كحاجة استراتيجية: الخصم الذي يحتاجه الجميع | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

لم تعد المسألة الإيرانية مجرّد نزاع ثنائي بين طهران وواشنطن، بل تحوّلت إلى آلية مركزية لإدارة توازنات النفوذ في النظام الدولي. فإيران لم تعد تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو طموحاتها النووية، بل بوظيفتها السياسية كعامل ضغط واستقرار في آن واحد. السؤال الحقيقي لم يعد: هل إيران تهديد؟ بل: لماذا بات هذا التهديد، بحدوده الحالية، عنصرًا ضروريًا لكل اللاعبين الكبار؟
تدرك الولايات المتحدة أن إيران ليست خصمًا يمكن كسره عسكريًا دون كلفة استراتيجية هائلة، ولا شريكًا يمكن استيعابه دون إضعاف منظومة الردع الإقليمية. فالحرب الشاملة غير مضمونة النتائج، ومرفوضة اقليميا ودوليًا، فيما القبول بإيران كقوة إقليمية مكتملة يُضعف الهيمنة الأميركية ويخلخل شبكة التحالفات. من هنا، لم يكن التفاوض خيار قوة، بل خيار إدارة الخطر بأقل الخسائر.
في المقابل، أثبتت إيران عبر تاريخها الحديث قدرة استثنائية على البقاء والمناورة. من أزمة الرهائن عام ١٩٧٩ ، إلى الحرب مع العراق، إلى إدارة العقوبات والملف النووي، نجحت طهران في تحويل الضغوط إلى أوراق تفاوض. انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018 لم يُخضع إيران، بل حررها من القيود، وفتح أمامها مسارات أوسع مع روسيا والصين، ما كشف محدودية أدوات الضغط التقليدية.
تمتلك إيران عناصر قوة حقيقية: قدرات صاروخية بعيدة المدى، نفوذًا إقليميًا عبر حلفاء، وموقعًا جغرافيًا يتحكم بمفاصل الطاقة العالمية. لكنها في الوقت ذاته تعاني من اقتصاد مرهق، وتحديات اجتماعية داخلية، وعزلة سياسية نسبية. إقليميًا تشكّل تهديدًا فعليًا، لكنها لا تمثل خطرًا وجوديًا على الولايات المتحدة أو أوروبا، ما يجعل تضخيم التهديد جزءًا من معادلة سياسية أوسع.
هنا يبرز الدور الإسرائيلي بوصفه الأكثر حساسية في هذه الأزمة. فمصلحة إسرائيل الأساسية ليست إسقاط النظام الإيراني، بل منع تحوّل إيران ومحورها إلى قوة ردع قادرة على شلّ الداخل الإسرائيلي وكسر تفوقه العسكري النوعي. الخطر الحقيقي بالنسبة لها لا يكمن في البرنامج النووي وحده، بل في الصواريخ الدقيقة، وتكامل الجبهات، وتحول أذرع إيران إلى قدرات تشغيلية مستقلة.
لهذا، حدّدت إسرائيل خطوطها الحمراء بوضوح: منع تحويل الصواريخ الدقيقة إلى قدرة مستخدمة وعلنية، منع توحيد الساحات في مواجهة واحدة، والحفاظ على التفوق الجوي والاستخباري. ما دون ذلك يمكن احتواؤه عبر الضربات المحدودة والعمل الاستخباري والضغط السياسي، أما تجاوزه فيُعد تهديدًا وجوديًا لا يمكن التعايش معه.
في هذا السياق، استفادت إسرائيل من استمرار المواجهة الأميركية–الإيرانية. فبقاء إيران “عدوًا مركزيًا” سمح بتعزيز الدعم الأميركي، وتسريع مسارات التطبيع العربي، وتحويل بوصلة الصراع من الاحتلال إلى “الأمن المشترك”. بهذا المعنى، لم تُلغَ القضية الفلسطينية بقرار مباشر، بل أُزيحت تدريجيًا بفعل إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية.
دوليًا، تحوّلت إيران إلى ساحة تبادل رسائل بين القوى الكبرى. واشنطن تستخدمها لضبط الحلفاء واحتواء الخصوم، فيما توظفها موسكو وبكين كحاجز أمام التمدد الأميركي وكعنصر في إعادة تشكيل نظام دولي أقل أحادية. الشراكات الإيرانية مع روسيا والصين لا تعكس تحالفًا أيديولوجيًا فحسب، بل تجمعهم منظومة اقتصادية بدول البريكس وايران من بينهم، لا تخلو من التوافقات العسكرية السرية وتقاطع مصالح في مواجهة العقوبات والهيمنة الغربية.
رغم التصعيد المتكرر، يبقى الحسم العسكري مستبعدًا. فالتجارب التاريخية تؤكد أن القصف الجوي لا يُسقط أنظمة، وأن أي تدخل بري في إيران، بحجمها الجغرافي والديمغرافي، سيكون مكلفًا إلى حد الانتحار السياسي والعسكري. كما أن روسيا والصين لن تسمحا بانهيار النظام الإيراني لما يحمله من تداعيات على أمن الطاقة وممرات التجارة وتوازنات النفوذ.
أما فرضية السقوط الداخلي، فهي لا تقل خطورة. فإيران مجتمع متنوع إثنيًا ومذهبيًا، وأي فراغ في السلطة قد يطلق صراعات داخلية وفوضى إقليمية تتجاوز في آثارها ما شهدته دول أخرى في العقدين الأخيرين. لهذا، يبدو أن السقف الدولي المقبول هو الإضعاف المنضبط لا الإسقاط الكامل.
في هذا الإطار، لا تُدار أي تسوية محتملة على أساس تفكيك أذرع إيران الإقليمية، بل على أساس ضبط استخدامها. فالنفوذ الإقليمي بات ورقة ردع أكثر منه أداة توسع، وتتحول ساحات مثل لبنان والعراق وسوريا وغزة واليمن إلى مساحات ضغط لا ساحات حسم. التصعيد يُستخدم للرسائل، لا لكسر المعادلات.
النتيجة هي حلقة تفاوضية مفرغة: تصعيد، عقوبات، مفاوضات، اتفاقات مؤقتة، ثم خرق وتصعيد جديد. لا اتفاق شامل في الأفق، ولا حرب مسموحة، بل إدارة طويلة الأمد للأزمة، لأن كلفة استمرارها المضبوطة أقل من كلفة حسمها.
الخلاصة أن إيران ليست تهديدًا مطلقًا ولا ورقة تفاوض فقط، بل عنصر مركزي في نظام دولي مأزوم يدير صراعاته بدل حلّها. الأزمة أكبر من إيران، وأعمق من خلاف نووي أو صاروخي، إنها نموذج لأزمات عالمية تُدار لخدمة توازنات القوى لا لمصلحة الشعوب. اللاعبون الكبار يضبطون الإيقاع من غرف القرار، فيما تدفع المجتمعات في إيران ولبنان والعراق وسوريا واليمن وفلسطين ثمن لعبة طويلة الأمد، لا تهدف إلى النصر، بل إلى منع الخسارة الكبرى.




