إيران… من الصبر الإستراتيجي… إلى الخداع الإستراتيجي… | بقلم علي الهماشي

مع استمرار الحرب على إيران نرى تغييراً في ساحة المواجهة، فبدلاً من أن تبقى المعركة محصورة في إزالة البرنامج النووي والصواريخ البالستية، تحوّل مركز الثقل إلى مضيق هرمز، ذلك الممر البحري الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، هذا التحوّل لم يكُن نتيجة خطة مدروسة، بل جاء كمحاولة لإعادة صياغة المشهد بعد أن تعقّدت الحسابات الأولية لدى الولايات المتحدة.
إيران، من جهتها، لم تُعلن رسميًا إغلاق المضيق، لكنها جعلته عملياً منطقة غير آمنة، هذا الموقف المزدوج الذي جعل المضيق (مفتوحا من حيث المبدأ، مغلقا من حيث الواقع) سحب الذريعة من يد واشنطن التي كانت تراهن على تعبئة تحالف دولي تحت شعار حماية الملاحة الدولية، فواشنطن لا يمكنها إقناع العالم بخطر لم تعلن طهران نفسها عن وقوعه!!
وهنا ازدادت الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها، و قد ظهر لأول مرة تردد بريطاني وفرنسي وياباني في الانخراط في عمل عسكري، وهذه الدول لم يُعرض عليهم مسبقاً ما أراد ترامب القيام به، و حتى موضوع حماية السفن التي تمر من مضيق هرمز لم يُقدَّم لهم ضمن إطار سياسي مشترك كما أنَّ الولايات المتحدة تجاوزت الناتو وكل حلفائها في هذا العمل العسكري واكتفى ترامب بحليفه نتنياهو للقيام بعمل عسكري خاطف وسريع كما كان يتوقع .
إيران ليست فنزويلا:
فان الخطأ الأكبر كان في افتراض أن إيران ستتعامل مع الضغوط كما تعاملت دولا أضعف منها في تجارب سابقة. لكن إيران ليست فنزويلا، ولا هي دولة يمكن إسقاطها بضربة سريعة، و ما حدث في الأيام الأولى من المواجهة كشف أن طهران كانت تمارس نوعًا من الخداع الستراتيجي وهو انها تتظاهر بالضعف التكتيكي، وتخفي قدراتها الحقيقية، وتترك الخصم يعتقد أن الطريق إلى الحسم مفتوح، ثم كشفت قدرتها على الرد منذ اليوم الاول للحرب وتوالت ردودها وكأنها حرب سجال، وقد اربك هذا الأسلوب واشنطن، وأجبرها على تعديل خطابها، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة لا تشبه ما توقّعته إدارة ترامب.
لقد اعتمدت إدارة ترامب منذ البداية سياسة استهداف القادة الإيرانيين، وهو الجزء الأهم في استراتيجيتها منذ استهداف الولي الفقيه لإيران، ومن ثم عرضت مكافأة مالية لقتل السيد علي لاريجاني لتظهر لنا واشنطن أنها تراهن على أنَّ اغتيال الشخصيات القيادية المحورية سيُربك عملية اتخاذ القرار داخل إيران، ويُفكك القدرة على التخطيط، ويخلق فراغًا قياديًا لا يسهّل إدارة الحرب، ويجعل الأمور أشبه بالفوضى.
لكن ما تكشف لاحقاً هو أن هذا السلاح لم يكن فعّالا كما توقعت واشنطن، فإيران لم تُظهر ارتباكاً، ولم تتصرف كمن فقد مركز الثقل القيادي، بل بدت وكأنها تمتلك هيكلًا بديلًا جاهزًا للتحرك، وبرنامجاً معداً مسبقاً لسيناريو الحرب. فالعمليات الدفاعية، وتوزيع المهام، وطريقة اتخاذ القرار، كلها دلّت على أنَّ غياب بعض القادة لم يعطّل المنظومة، بل كشف عن وجود طبقات متعددة من القيادة قادرة على الاستمرار، ومفاجئة العدو في تقنين الضربات الصاروخية وارسال المسيرات، وكذلك اختيار الاهداف.
هذا الثبات لم يكن وليد اللحظة فتجربة حرب الـ 12 يوم رغم قسوتها إلا أنها منحت الإيرانيين دروساً عميقة في المناورة، وفي اتخاذ القرارات الصعبة، وفي كيفية إدارة الضغط دون انهيار ، لقد خرجت طهران من تلك التجربة وهي تدرك أن الصبر وحده لا يكفي، وأن مواجهة قوة عظمى تتطلب مزيجًا من التخطيط المسبق، والمرونة، والخداع، وإعادة التموضع.
وهكذا انتقلت إيران من مرحلة الصبر الإستراتيجي -الذي اتسمت به لسنوات- إلى مرحلة الخداع الإستراتيجي، حيث تُدار المواجهة بطريقة تجعل الخصم يخطئ في التقدير، ويبالغ في الثقة، ثم يكتشف أن الأرض التي يقف عليها ليست صلبة كما ظن، هذا التحول هو ما أربك واشنطن، وهو ما جعل المواجهة أطول وأكثر تعقيداً، وهو ما كشف محدودية الرهان على الضربات الخاطفة أو استهداف القادة.
في النهاية، لم تعد المعركة مجرد صراع على برنامج نووي أو صواريخ، بل أصبحت اختباراً لقدرة كل طرف على إدارة الزمن، وتوظيف الغموض، وتحويل نقاط الضعف إلى أدوات قوة.
إنَّ ردود الفعل التي تمارسها واشنطن وتل أبيب من زيادة وتيرة الهجمات والضربات العسكرية يكشف حجم الحرج الذي وقع فيه ترامب فأدخل أهدافا اخرى وهي استهداف البنى التحتية لإيران وهو بذلك انتقل الى مرحلة اخرى.
لكن هذا لن يحيد إيران التي لم يفتها هذا الأمر ويبدو أنها تخطط بطريقة لا تعتمد على رد الفعل، ولكن ولا تريد أن تنزلق الى ما تحاول تل أبيب جرها اليه، وهي تريد أنْ تعيد تشكيل قواعد اللعبة نفسها وعلى طريقتها في زيادة الألم وأن تحتفظ بقوتها في الرد وفق حساباتها فقط، وهذا ما ستكشفه الأيام القادمة من الحرب إن لم تتوقف !




