الاحدثالشرق الاوسط

الجولاني وإمكانات البقاء: سيناريوهات مفتوحة | بقلم محمود حمصي

تشهد الساحة السورية تحولات جذرية بعد انهيار النظام المركزي وما ترتب عليه من تغييرات بنيوية في الخريطة السياسية والإدارية. ومع تراجع سلطة الدولة، برزت أنماط من الحكم المحلي ذات طابع عرقي أو طائفي أو عشائري، الأمر الذي فتح المجال أمام نقاشات واسعة حول مستقبل الكيان السوري وإمكانية تحوله إلى أقاليم أو دويلات متجاورة. وقد وُثّقت بعض هذه الرؤى منذ بدايات الأزمة السورية عام 2011، حيث طُرحت تصورات لتقسيم البلاد إلى كيانات قائمة على الأغلبية السكانية في كل منطقة، في إطار ما عُرف بمشاريع “إعادة رسم الشرق الأوسط”.
تستمد سوريا أهميتها من موقعها الجيوسياسي الذي جعلها تاريخيًا محورًا للتنافس الدولي والإقليمي. فهي تقع عند تقاطع طرق استراتيجية وتملك موارد طبيعية ومواقع دينية وثقافية تعزز من وزنها في موازين القوى. ولذلك فإن أي تحولات داخلية تنعكس مباشرة على توازنات الإقليم وتستدعي تدخل قوى كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، فضلًا عن القوى الإقليمية كتركيا وإسرائيل وإيران.
في هذا السياق، يواجه حكم الجولاني تحديات مركّبة. فعلى المستوى العربي يُنظر إليه في بعض الأوساط باعتباره صيغة انتقالية لا يُتوقع أن تستمر طويلًا بسبب مخاوف متعلقة بامتداد الحركات ذات المرجعية الإسلامية. أما على المستوى الدولي فإن استمراره يرتبط بمدى قدرته على التكيف مع توازنات النفوذ والمصالح، سواء من خلال ترتيبات أمنية أو ضمان استقرار الحدود أو ضبط حركات العبور الإقليمي.
المنافسة بين الفاعلين الدوليين والإقليميين على الأرض السورية ازدادت حدة في السنوات الأخيرة. فروسيا تعتبر البلاد منفذًا استراتيجيًا إلى المتوسط، بينما ترى فيها الولايات المتحدة ورقة ضغط ضمن سياق إدارة ملفات الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه تسعى تركيا إلى توسيع مجال نفوذها التاريخي والجغرافي، فيما تنظر إسرائيل إلى التطورات بوصفها فرصة لتعزيز أمنها الاستراتيجي.
وعند النظر إلى احتمالات بقاء الجولاني يمكن تصور أكثر من مسار. فقد يختار الانخراط في تفاهمات مع إسرائيل تضمن هدنة حدودية واستقرارًا أمنيًا، وهو خيار يحمل في طياته توترًا محتملًا مع تركيا. وقد يتجه نحو توثيق العلاقة مع أنقرة بما يمنحه غطاءً إقليميًا، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام صدام مع إسرائيل وبعض القوى العربية. وهناك احتمال آخر يتمثل في الرهان على دعم عربي محدود، وهو خيار ضعيف لغياب ضمانات الاستمرارية. كما يظل خيار التقارب مع إيران قائمًا في إطار اصطفاف إقليمي مضاد للتوسع الإسرائيلي، شرط أن يتم بغطاء روسي وتفاهمات أوسع مع أطراف عربية ودولية.
تدل هذه الاحتمالات على أن مستقبل الجولاني ليس محسومًا بخيار واحد، بل هو انعكاس لمعادلات متغيرة بين قوى محلية وإقليمية ودولية. ومن ثم فإن مسار سوريا سيبقى مفتوحًا على تفاوض دائم يحدد ما إذا كانت ستظل ساحة صراع أو تتحول تدريجيًا إلى طرف فاعل في معادلات الإقليم.

محمود أحمد الحمصي

الدكتور محمود الحمصي، باحث ومحلل سياسي، مولود في بيروت حاصل على دكتوراه الفلسفه في الادارة العامة ومحاضر في جامعة بيروت العربية، شارك في العديد من المقالات العلمية والبحثية المتعلقة بالشؤون الإقليمية والدولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى