الدائرة 16: المعركة المؤجَّلة على كسر المحادل الانتخابية | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

يقترب لبنان من استحقاق انتخابي جديد في ظلّ أزمة بنيوية غير مسبوقة، حيث لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الانتخابات ستُجرى في موعدها، بل ما إذا كانت قادرة فعلاً على أن تشكّل مدخلاً لتغيير سياسي حقيقي ينسجم مع تطلّعات اللبنانيين، لا مجرد إعادة إنتاج للواقع نفسه تحت مسمّى ديمقراطي.
فالمؤشرات الواقعية تفيد بأن إجراء الانتخابات، بصيغتها الحالية، لا يشكّل بحدّ ذاته ضمانة لأي إصلاح. فالقانون الانتخابي القائم، بتقسيماته وآلياته، صُمّم لإعادة إنتاج التوازنات نفسها والذهنيات ذاتها، مع هامش تغييري محدود لا يمسّ جوهر السلطة ولا آليات اتخاذ القرار. وعليه، فإن الدعوة إلى الاقتراع من دون تعديل قواعد اللعبة السياسية تعني عملياً مطالبة الناخب بإعادة انتخاب المنظومة نفسها، وهو ما يجعل الرهان على التغيير عبر الصندوق، في ظل القانون الحالي، طرحاً غير واقعي.
في هذا السياق، يبرز الجدل المتجدّد حول مشاركة المغتربين، ولا سيما ما يتعلّق بما يُعرف بـ«الدائرة 16» أو مقاعد الاغتراب الستة. هذا الجدل لا يُختصر بخلاف تقني أو إداري، بل يعكس صراعاً سياسياً على حجم ودور الصوت الاغترابي. فهذه الدائرة، المنصوص عليها في قانون الانتخابات رقم 44/2017، تهدف نظرياً إلى تمثيل اللبنانيين غير المقيمين، إلّا أن حصر مشاركتهم بستة مقاعد فقط يحدّ من تأثيرهم على مجمل المجلس النيابي، ويُبقي صوتهم ضمن إطار مضبوط لا يخلّ بالتوازنات القائمة إلّا بقدر يسير، ما يفسّر التردّد المستمر في تفسيرها او تطبيقها فعلياً.
ومن الناحية التقنية، لا يكمن الخلاف في غياب نص قانوني ينظّم اقتراع اللبنانيين غير المقيمين، إذ إن القانون حدّد بوضوح حقهم في التصويت من الخارج وآليات تنظيمه عبر السفارات والقنصليات. إنما يتمحور الخلاف حول كيفية تطبيق المواد المتعلقة بالدائرة 16 أي من المادة ١١٢ وحتى المادة ١١٤، ولا سيما لجهة استكمال المراسيم التنظيمية، وتنظيم الترشيح لها، وآلية احتساب المقاعد الستة وربط أصوات المغتربين بهذه الدائرة حصراً. هذا الهامش التنفيذي أتاح في دورات سابقة تجاوز إنشاء الدائرة المستقلة، واعتماد تصويت المغتربين لدوائرهم الأصلية، ما أدّى عملياً إلى تعليق مادة قائمة في القانون من دون إلغائها أو تعديلها. أما العوائق التي تُطرح لتبرير هذا التعليق، فتُقدَّم غالباً بصيغة إدارية أو لوجستية، غير أن هذه الحجج فقدت وجاهتها بعد إجراء اقتراع المغتربين في أكثر من دورة انتخابية. وبذلك، يتبيّن أن المشكلة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، وتتعلّق بالخوف من نتائج غير مضمونة أكثر مما تتعلّق باستحالة التنفيذ.
خارجياً، يزداد المشهد تعقيداً مع الحديث عن تحضير الولايات المتحدة، بالتعاون مع بعض أعضاء الكونغرس، لنصوص قانونية تفرض عقوبات على كل من يعرقل أو يؤجّل الانتخابات اللبنانية. هذا التوجّه يعبّر عن حرص أميركي على منع الفراغ وتعطيل الاستحقاقات الدستورية، لكنه يكشف في الوقت نفسه تناقضاً واضحاً: فالإصرار على إجراء الانتخابات، بمعزل عن أي تعديل جوهري في القانون أو في آليات التمثيل، لا ينسجم مع خطاب دعم التغيير أو تجديد الحياة السياسية، بل يكرّس استمرارية المجلس النيابي وبالتحديد النواب المناهضين للخضوع للإرادة الدولية، الذي يُفترض أن يكون مدخلاً لأي إصلاح.
هنا، تتحوّل الانتخابات من أداة للتغيير إلى وسيلة لضبط الاستقرار وإدارة الأزمة، ويجري التعامل معها كغاية بحد ذاتها لا كوسيلة لإعادة تصحيح المسار السياسي. فالتغيير لا يبدأ من صندوق اقتراع محكوم بقانون مُفصَّل لإعادة إنتاج السلطة نفسها، بل من إعادة النظر في هذا القانون نفسه، وفي مبدأ المساواة بين الناخبين، وفي قدرة العملية الانتخابية على عكس الإرادة الشعبية الحقيقية للمواطنين المقيمين والمغتربين في التغيير.
في الخلاصة، إن إجراء الانتخابات يبقى حقاً دستورياً لا يجوز تعطيله، لكن المشاركة فيها لا يمكن أن تكون عمياء أو منفصلة عن شروط التغيير الفعلي. المطلوب اليوم ليس فقط الذهاب إلى صناديق الاقتراع، بل الضغط من أجل انتخابات تُنتج مساراً سياسياً مختلفاً، لا مجلساً نيابياً جديداً بالوجوه القديمة والذهنية نفسها.
وفي هذا الإطار، قد لا يكون التغيير مستحيلاً كما يُصوَّر. فمجرد تطبيق القانون الانتخابي بما يخصّ تصويت المغتربين بصورة كاملة، ومنحهم حق التصويت لكل النواب في دوائرهم الأصلية، وقد يتم ذلك بتعديل المادة ١١٢ أو بإعادة تفسيرها كفيل بإحداث خرق فعلي في بنية المجلس النيابي. إذ إن فتح المجال أمام الصوت الاغترابي للتأثير في مجمل الكتل، لا في هامش معزول، من شأنه كسر منطق «المحادل» الانتخابية، وإضعاف التكتلات الكبرى التي راكمت سلطتها لعقود.
فالتغيير الحقيقي لا يفترض انقلاباً شاملاً دفعة واحدة، بل يبدأ من خرق محسوب في مواقع مفصلية، يكفي لتعديل موازين القوى، وإعادة توجيه السياسات العامة، وكسر منطق التبعية والإقطاع السياسي، وفتح الباب أمام مسار إصلاحي تدريجي من خلال قانون انتخابي غير مفصل على قياس الاقطاع السياسي، بل يخدم مصلحة اللبنانيين جميعاً، في الداخل والاغتراب. أما دون ذلك، فالتأجيل لها أصبح قدرا واقعا وإلّا ستبقى الانتخابات مجرّد استحقاق شكلي يُدار تحت ضغط الخارج، فيما يبقى القرار الوطني بالتغيير مؤجَّلاً.




