لم تكن الخريطة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18 أكتوبر 2026م ، خلال تقديم تصوره المحدث للأمن القومي الإسرائيلي ، مجرد رسم توضيحي للتحالفات الإقليمية ؛ فقد حملت دلالات تستحق أن يتوقف عندها السودانيون طويلاً ، حين أظهرت المناطق الخاضعة لسيطرة قوات مليشيا الدعم السريع ضمن الدائرة الحليفة لإسرائيل ، بينما وضعت بقية السودان في دائرة أخرى تضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان !
والخريطة ، التي أعدّها الباحثان مارك ساكسر وماركوس شنايدر ونشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في مايو الماضي ، أعاد نتنياهو تقديمها في سياق رؤيته الأمنية وتحالفاته الإقليمية ، قبيل الانتخابات الإسرائيلية المنعقدة في 27 أكتوبر ٢٠٢٦م .
وتؤكد الخريطة ، بذاتها ، وجود توافق معلن بين إسرائيل ومليشيا الدعم السريع ، وتطرح سؤالاً سياسياً بالغ الخطورة : كيف أصبحت قوة مسلحة متمردة تخوض حرباً داخل دولة عربية أفريقية ضمن دائرة جيوسياسية توصف بأنها صديقة لإسرائيل ، فيما تظهر الدولة السودانية برمتها في معسكر إقليمي مختلف ؟
إن دلالة هذا التصنيف لا تكمن في الألوان وحدها ، بل في تصور للمنطقة يتجاوز الدول وحدودها القانونية الشرعية المعترف بها دوليا إلى مناطق السيطرة الفعلية علي الأرض ، وشبكات النفوذ ، والقوى المسلحة التي يمكن أن تتحول إلى أوراق في صراعات الآخرين .
إن الاهتمام الإسرائيلي بالسودان ليس أمراً طارئاً كشفته الحرب الحالية .
ففي محاضرة مشهورة لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق آفي ديختر ، أمام معهد دراسات الأمن القومي في سبتمبر 2008م ، تناول ديختر أهمية السودان في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية ضمن سبعة دول مهمة تؤثر في الأمن الحيوي للكيان ، وفق ما نقلته كتابات وتقارير عربية لاحقة .
وقد ركزت الروايات المنشورة عن المحاضرة على أهمية موقع السودان الجغرافي وموارده ، وصلته بأمن مصر والبحر الأحمر ، وما يمكن أن يمثله قيام دولة سودانية قوية ومستقرة من وزن إقليمي كما اوضحت بجلاء حجم التدخلات الإسرائيلية في مسار الأوضاع الداخلية للسودان .
وسواء أخذنا هذه التصريحات في سياقها الأمني أو في سياق التنافس الإقليمي ، فإنها تكشف عن حقيقة لا ينبغي إغفالها : هي أن السودان يحظي باهمية كبيرة في حسابات الأمن الإسرائيلي قديما وحديثا ، ذلك لأنه بل بلد تتقاطع فيه اعتبارات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل وعمق المنطقة العربية .
وتؤكد دراسات عن العلاقات الإسرائيلية السودانية أن تل أبيب سعت تاريخياً إلى توسيع نفوذها في محيط السودان ، وأنها أقامت اتصالات سرية وعلنية مع أطراف سودانية ، كما دعمت حركات التمرد في جنوب السودان ودارفور خلال مراحل مختلفة .
أما في الحرب الراهنة ، فقد ظهرت مؤشرات أكثر مباشرة على انخراط إسرائيل في متابعة المشهد السوداني عن قرب .
ففي تقرير نشرته «أكسيوس» في 19 أبريل 2023م ، نقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين أن وزارة الخارجية الإسرائيلية كانت على اتصال مع سودانيين بشأن التطبيع ، بينما تواصل الموساد مع محمد حمدان دقلو ، قائد مليشيا الدعم السريع ، في ملفات أمنية ومكافحة مايسمي بالإرهاب ، وأن إسرائيل سعت إلى التأثير في مجريات الحرب في السودان .
وهذه المعلومات كلها تثبت وجود قنوات اتصال إسرائيلية نشطة ، وتكشف عن محاولة التأثير في مسار الأزمة ؛ وهي تكفي وحدها لإثبات أن إسرائيل متورطة في الشأن السوداني وربما قدمت علي الأرجح دعماً عسكرياً ولوجستيا مباشرا أو عبر الوكلاء الاقليميين لمليشيا للدعم السريع .
إن الفصل بين الوقائع والاستنتاجات ضرورة بحثية ، ولا تنتقص من حق السودان في التحقيق في كل ما يمس أمنه وسيادته .
ومع ذلك ، فإن ظهور مليشيا الدعم السريع ضمن دائرة حلفاء إسرائيل في خريطة عرضها نتنياهو يضيف بعداً سياسياً خطيرا يستوجب الفحص والاهتمام .
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً : لماذا لا تبدو إسرائيل مطمئنة إلى السودان الذي يقوده الجيش ، رغم أن السلطة الانتقالية السابقة بقيادة حمدوك اتخذت خطوة باتجاه التطبيع ؟
هنا ينبغي تأكيد حقيقة مهمة وهي أن وزير العدل في حكومة حمدوك وقّع في يناير 2021م الإعلان العام لاتفاقيات أبراهام ، لكن لم يتم ابرام اتفاق سلام ثنائياً نهائياً مع إسرائيل ، ولم تُقم علاقات دبلوماسية مكتملة بين البلدين .
لقد ارتبطت محاولة التطبيع السابقة بمصالح متبادلة ، وبحسابات رفع العقوبات وتغيير موقع السودان في النظام المالي الدولي ، لكنه لم يحسم الأسئلة المتعلقة بهوية الدولة السودانية ، واستقلال قرارها الخارجي ، وطبيعة النظام السياسي الذي سيحكمها .
كما أن الجيش السوداني ، بما يمثله من مؤسسة وطنية ذات تاريخ ومصالح وحسابات داخلية وخارجية جيوسياسية ، لا يمكن افتراض أنه سيقبل تلقائياً بالشروط الإقليمية أو الأمنية التي قد تسعى إسرائيل إلى فرضها .
وقد تكون إسرائيل قد رأت في التواصل مع أطراف سودانية وسيلة لحماية فرص التطبيع ، أو لضمان استمرار قنوات النفوذ أياً تكن مآلات الحرب .
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت بعض دوائر القرار الإقليمي ترى في تعدد مراكز القوة داخل السودان فرصة لتأمين مصالحها ، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الدولة ووحدة مؤسساتها .
وهذا احتمال استراتيجي يستحق الدراسة .
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الحرب وحدها ، بل أن تتحول الحرب إلى مدخل لإعادة ترتيب موقعه الإقليمي ، وتوزيع النفوذ على أرضه ، وربط قواه الداخلية بمحاور خارجية متنافسة.
ومن هنا ، فإن واجب الدولة السودانية ، بكل مؤسساتها وقواها الوطنية ، أن تجعل وحدة البلاد وسيادتها واحتكار مؤسساتها الشرعية للسلاح وللقرار الوطني المستقل خطوطاً حمراء لا تخضع للمساومات والأطماع والتدخلات الخارجية أيا كان مصدرها .
لقد كشفت الخريطة عن تصور إقليمي يستحق القراءة المتأنية ، وأعادت إلى الواجهة تاريخاً من الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالسودان .
وبين دراسة هذه المؤشرات والصمت عنها مساحة واسعة للتحليل المسؤول في البحث عن مهددات الأمن الوطني والقومي للدولة السودانية ؛ وهي المساحة التي ينبغي أن يتحرك فيها الباحثون والدبلوماسيون وصناع القرار ، دفاعاً عن البلاد ، لا خدمةً لأي محور إقليمي .
فالسودان ليس رقعة على خريطة الآخرين ، ولا ينبغي أن يكون مستقبل شعبه ثمناً لتوازنات تُرسم خارج حدوده في خرائط الطامعين والأعداء .




