الاحدثالشرق الاوسط

المشهد العراقي : الشعبوية تتسيّد.. والقيم تُهمش !! | بقلم علي الهماشي

في أثينا القديمة وقف سقراط ينادي بقيم أخلاقية نابذاً  الطريقة  التي سادت في هذه المدينة وانتقد الآلهة ولكن بطريقة جدلية أو حوارية فقد كان رؤيته تتمثل بأنَّ “الحقيقة تولد من الجدل” لكنَّ قيم سقراط  ونبذه لكل ما كان سائد لم يرُق للكثيرين سيما الطبقة المتنفذة، وعلى مر التاريخ  تكون الشعبوية سلاحاً فاعلاً ضد الفكر ، وتطوع أو جُند أريستوفان للنيل منه وألف مسرحية  سُميت ب” السُحب”  أظهرت سقراطاً كمهرج سوفسطائي يفسد الشباب وضحك الجمهور وصمت البقية ممن كانوا يسمون بفلاسفة اليونان أنذاك ، ويقال انَّ هذه المسرحية ألبت الناس على سقراط وأدت فيما بعد إلى الحكم عليه بالإعدام !! ودفعت بأفلاطون بعدها إلى نبذ الديمقراطية، الغريب أنَّ سقراط حضر المسرحية كما نقل لنا التاريخ ولم يعترض على أريستوفان ..
وانتصرت الشعبوية على الفكر والقيم وهذا ما يجري في العراق بعد 2003باسم الديمقراطية تنتهك الكثير من القيم وحيثيات الآخرين، لقد أضحينا أسرى  الخطاب الشعبوي الذي يناغم المزاج الجماهيري الذي يُحشد في لحظات الغضب والسخرية من الاخرين.
لم يكن سقراط هو المثل الوحيد  وإنما جاء ذكره بسبب دراسة أعكف عليها فيما يتعلق بأفلاطون ، ولا تستطيع أن تذكر أفلاطون دون العروج على سقراط بل يمكنني القول إنَّ أفلاطون دفع بسقراط إلى الواجهة في مواجهته غير المباشرة آنذاك، وما نعرفه عن سقراط هو سقراط أفلاطون وخفي الكثير عن سقراط الأصل الذي رفض تدوين أفكاره واكتفى بالحوار !!.
نعم لم يكن سقراط الضحية الوحيدة فقد كان الأنبياء والرسل والمصلحون مستهدفين من قبل الشعبوين وبكل جرأة ألم نقرأ في قصة لوط (ع) ما قاله قومه له ولأتباعه { أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} !!
فلم يرق لقوم لوط أن يكون هناك خلقاً رفيعاً، وحياة فطرية اعتيادية بل أنهم أرادوا لعقيدتهم الفاسدة أن
تسود في كل مكان فحاولوا نفي لوط ومن أمن معه .
وفي عراقنا اليوم يخفت صوت الحق
 و يخبو صوت الحكمة مع تصاعد صيحات شعبوية ، تثير عاطفة الجمهور  ويتسابق بعض السياسين لاستغلال ذلك غير مبال بما سيجري فالمهم أن تنال من الخصم بكل الطرق.
ويضخ في منصات التواصل ما يثير النعرات كي تستعر المشاعر  لأنها تسير في هدف النيل من الخصم السياسي، في منازلات غير أخلاقية وبعيدة عن مصلحة الوطن الذي يواجه تحديات صعبة في ظروف منطقة ملتهبة  في معادلة أقل ما يقال عنها أنها مختلة الموازين، ولم تعد الأعراف و القوانين الدولية رادعة.
أين المثقف الواعي :
لازلت أؤمن بقدرات المثقف الواعي في تغيير  البوصلة ولو قليلا أو كبح الانفعالية المسيسة بطريقة حكيمة، ورغم سوداوية ما ابتدأت به حديثي  إلا نقطة الضوء وان كانت ضعيفة ستسود المشهد، ما ينقصها هو أن تتحدث بلسان قومها ترضيه من ناحية وتفكك المشهد بروية، وأنا هنا لا أدعو إلى رفض الخطاب النخبوي  وكأني أستسلم لزمن التفاهة، لكن أدعو إلى نزع السلاح الشعبوي  وتحويل (اريستوفان) لصالح القيم المثلى، فبدلا ممن استهزئ بالقيم أُظهر ضحالة الشعبوية ومن
يفكر بطريقة الإثارة دون الوصول الى نتيجة صحيحة.
ليس  المطلوب من المثقف والعراقي الواعي أن يستخدم لغة الهرج والمرج ولكن عليه أن  يتصدى لأن الشعبوية  ليست منهجاً ثابتاً بقدر ما هي حالة إثارة، ولهذا ينبغي لنا أن نقف بوجه هذه الموجات بقوة، ومن ثم نفكك لننتج، فالمقاومة لا تكفي إن لم نسرع بالهجوم ،نعم لا يمكن للهجوم أن ينجح دون قاعدة رصينة، وهذه القاعدة يجب أن تكون على منصة الإصلاح أولا ، وإلا ستبقى الحالة في كر وفر …

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى