الاحدثالشرق الاوسط

حكومة خدمات !! | بقلم علي الهماشي

هذه الجملة لا استطيع أن أسميها شعاراً ولا عنواناً لحملة انتخابية ، لكن الأخوة في الإطار أطلقوا على الحكومة الحالية حكومة خدمات ، وأنهم وعدوا جماهيرهم بذلك ، بحيث توفر لهم هذه الحكومة الخدمات ، وتعتبرها من أولوياتها ، لكن التساؤل الملح هل كانت فعلاً حكومة خدمات !!.

 

قبل الإجابة علينا أن نوضح بأنَّ هذه المقولة كانت تحجيماً لمفهوم الحكومة المركزية ،وما هو مطلوب من رئيس الوزراء!؟ ، و هذه المقولة فيها استخفاف بعقول المواطنين بقصد أو دونه، وأنا أرى أنها غير مقصودة لأن العقول المنتجة لهذه المقولة لا يدركون أبعاد عمل العمل الحكومي ومهام رئاسة الوزراء ، وأرادوا مناغمة مشاعر الجماهير التذ وصلت الى مرحلة اليأس في توفير مستلزمات العيش الطبيعية رغم ارتفاع دخل المواطن العراقي إلى إضعاف ما كانت عليه قبل التغيير في 2003 إلا أنه لايتمتع بالراحة أو الهدوء الذي يتناسب مع دخله السنوي، فنراه يسارع الى الاستجمام في البلدان المجاورة، ويستغل العطل الطويلة لهذا الغرض ، وما علينا إلا أن نراجع الأرقام التي تبين عدد المسافرين سنوياً الى خارج العراق ،مع توفر عامل مشجع آخر وهو توفير التصريف بفارق مهم عن سعر الدولار في السوق السوداء .

 

ان هذه المقولة (حكومة خدمات) تعني أن الشعب لا يبالي بكل ما يجري ويطالب بالخدمات الأساسية ، و لم يعلم أصحاب هذه المقولة أنَّ توفير الخدمات الأساسية وصولا الى مرحلة العيش الرغيد هو واجب الحكومة التنفيذية ، ومن اولويات عملها، ولا حاجة إلى أن تكون هدفاً تعمل عليه ،فالموظف الحكومي لديه روتين ونمط عليه أنْ يقوم به يومياً ولهذا أُفرق بين الانجاز وبين الاداء الروتيني ، فالانجاز هو أن تقوم بأكثر مما مطلوب منك حيث تبدع وتبتكر ، أما الأداء الروتيني فهو واجبك الذي تتقاضى عليه أجرك في نهاية الشهر .

ولكن عمل الحكومة المركزية يختلف من حيث الواجبات ،فهذا أولويات عملها ، ولكن لديها مسؤوليات أخرى أهم ، و تتجلى أهميتها بوضع العراق غير الطبيعي في الخارطة السياسية منذ سقوط النظام وحتى يومنا هذا بل منذ انقلاب البعث في 1968.

 

مسؤوليات الحكومة :
فالحكومة مسؤولة عن هموم المواطن اليومية والمستقبلية (امنه الغذائي والمعيشي ) ، مسؤولة عن الأمن القومي ،مسؤولة عن الدفاع عن حقوق كل العراقيين داخل وخارج العراق مسؤولة عن تحصين العراق من الأخطار الخارجية وان لا ترهن العراق بيد هذا البلد أو ذاك (وهي خيانة عظمى) مسؤولة عن موارده الطبيعية وعدم تبذيرها أو رهنها إلى قوى خارجية ،وسلسلة الواجبات كثيرة ، علينا العودة إلى التساؤل أعلاه هل كانت هذه الحكومة حكومة خدمات !؟
لا أريد الإجابة بالنفي أو الإيجاب ، ولا أريد أن استخف بعقل القارئ ،ولا أُريد أن أُصنف مثل الكثيرين (حب واحجي واكره احجي ) ، ولنعرف أولا ما معنى الخدمات .

 

ومن الانصاف أن نقول إنَّ سوء الخدمات و تدني مستوياتها ليس بسبب هذه الحكومة ، أو الحكومات التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية بعد خروج الاحتلال بل ذلك يعود إلى أيام الحصار على الشعب العراقي في مطلع تسعينيات القرن الماضي الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها بعد عزو صدام للكويت ،ولكنها استثنت النظام الحاكم من العقوبات فكانت حركته حرة في الميادين المالية والاقتصادية ، ولهذا رأينا استفادة اركان النطام البائد من الاموال المهربة خارج العراق وكذلك الاموال غير المنقولة من عقارات وغيرها ..

وما هي الخدمات ؟

تبدأ الخدمات في المرافق العامة للنقل والصحة والاتصالات ، ثم بقية المؤسسات في الدولة التي تكون في تماس مباشر مع المواطن في مفرداته اليومية .

 

وتأمين مفردات قوته اليومية بأسعار تتناسب ودخل الفرد البسيط .

 

وكل ما ذُكر كان ومازال بحاجة الى بُنى تحتية حتى تكون عملية البناء والتعافي سليمة ، لتوفر للمواطن العراقي حياة تليق به .

 

لكن هذه الحكومة قفزت على ذلك بطريقة الالهاء المتعمد سيما في العاصمة بغداد من خلال بناء مجسرات وبناء بعض الفنادق للقمة العربية التي كانت الشغل الشاغل لرئيس الحكومة والتي وصفها المراقبون بأنها من المؤتمرات الباهتة رغم أنها كانت أثناء أحداث ملتهبة تمثلت بعدوان صهيوني مستمر على غزة .

 

واعطت الحكومة تسهيلات مريبة لبناء مجمعات سكنية أضحت كفرصة لتبييض الاموال ولم تخدم المواطن البسيط ذي الدخل المحدود .

 

وحتى هذه المجمعات السكنية وكذلك المجسرات لم يؤخذ رأي المختصين في تخطيط وتطور المدن من أبناء العراق ، بل فُرضت عليهم الموافقة تعسفاً ،
مع ملاحظة إن بناء المجسرات في بغداد هو اختصاص امانة بغداد واما في بقية المحافظات فهو اختصاص الحكومات المحلية وهو جوهر عملها ،
ولو كانت هناك طرق مستحدثة ستراتيجية كإنْ تعزز وضع العراق في الممرات الدولية في الطرق العالمية التي تدخل العراق في صُلب التجارة العالمية لقلنا انه انجاز وخطوة متقدمة لهذه الحكومة (حكومة الخدمات)!.، ونرفع لها القبعة ونصفق لها كثيراً .

 

لكن هذه الحكومة تجاهلت موضوع البنى التحتية في قطاع الماء والكهرباء والصحة والنفط والطرق والجسور وحصرت عملها في المجسرات وفي عدد من المستشفيات التي هي بحاجة الى نقاش طويل ليست من اختصاص صاحب المقال ، ولكل مستشفى حكاية ، كما إن لكل مجسر حكاية ابطالها معروفين ، وتكاليف الانشاء تفوق بعشرات المرات الكلفة الحقيقية لكل واحد منها ، ومنحها لشركات غير عراقية تضع اكثر من علامة استفهام و المختص يعلم أنَّ هذه المجسرات لا تستطيع تغطية الاخفاق في مجال الخدمات ،ومن المعيب مناقشتها وادراجها على انها انجاز ستراتيجي .

 

 

كما أنَّ هذه الحكومة أخفقت في السيطرة على الانفاق العام ، ولم يسجل انها استثنت في موازناتها ما يدعم المواطن البسيط بل تجاهلته تماماً ، رغم ادعاء رئيس الحكومة بان اكثر من مليوني عراقي تحت رعايتها،
وأخفقت في توفير مصادر دخل للميزانية العراقية غير النفط ،وانهت القطاع الخاص الذي يعتبر الشريان الثاني للاقتصاد العراقي نتيجة هجمة منظمة ضد رجال اعمال معروفين ذكرتني باجراءات برزان التكريتي ضد التجار العراقيين في مطلع الثمانينات من القرن الماضي !،
ورغم ادعاء رئيس الوزراء بان العراق شهد استثمارا بقية 300مليون دولار الا أن هذا الرقم لم نجد له انعكاساً على سوق العمل لم نجد وظائف جديدة في القطاع العام ولم تشهد السوق العراقية نشاطاً مختلفاً جراء هذا الرقم الكبير من الاستثمار .

 

مع الاسف أخفقت حكومة الخدمات في تنفيذ ما طُلب منها ،وما تعتبره انجازً يعد ورقة اتهام ضدها ولن تخلو على الاقل من انتقاد المواطن البسيط الذي اضرته ما سُمي بالمشاريع الخدمية بدلا من أن تخفف عنه ….

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى