الاحدثالشرق الاوسط

رمال الخليج ترسم العالم الجديد ومضيق هرمز يوثقه | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

حين تُطلق الصواريخ كلامها، يصمت الدبلوماسيون. وحين تشتعل المنطقة من هرمز إلى عدن، لا تعود الخرائط تعني ما رسمه أصحابها. هكذا بدت منطقة الخليج في مطلع عام 2026؛ ساحةَ حرب لم يختَرها أهلها، ومعادلةَ نار تحترق فيها الثروات والطموحات معاً. وسط هذا الاشتعال، تتقاطع مصالح القوى الكبرى فوق رمال المنطقة: أمريكا تُدير الحرب وتبيع السلاح، وإسرائيل تُنجز ما عجز عنه عقود من الدبلوماسية، فيما يقف الخليج في قلب العاصفة يحاول أن يوازن بين حماية نفسه وعدم الانجرار إلى هاوية لا تُعرف أعماقها.
ولفهم عمق هذه المعادلة، لا بد من سؤال جوهري: ماذا يعني انخراط الخليج في حرب مباشرة مع إيران؟ إيران ليست دولة تُسقط في أسابيع؛ هي دولة تسعين مليون نسمة تمتلك صواريخ دقيقة وأذرعاً ممتدة في خمس دول وخبرة استنزاف تمتد لأربعة عقود، وقدرة على تحويل أي مواجهة إلى مستنقع مفتوح الأفق. والخليج في نهاية المطاف سيدفع ثمن حرب لا يجني ثمارها.
تقف السعودية في قلب هذه المعادلة؛ منشآت أرامكو وأبقيق كانت الهدف الأول للصواريخ الإيرانية، ورؤية 2030 ستتوقف كلما طالت الحرب. والإمارات ثمنها أوضح وأسرع؛ دبي الذي بُني في ثلاثة عقود يمكن أن يتداعى في أيام. أما قطر فتحتضن أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة مما جعلها هدفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى. وقد تحوّل مضيق هرمز إلى سلاح مركّب؛ أُغلق بوجه الخصوم وبقي مهدَّداً في وجه الأصدقاء، فضلاً عن عمليات تلغيم بحري تجعله فخاً صامتاً يعمل بأثر ممتد حتى بعد أي وقف لإطلاق النار، مما يعني أن تصدير سبعة وسبعين مليون طن من الغاز القطري سنوياً بات يمر تحت رحمة القرار الإيراني لا القانون الدولي.
يبرز العراق كلغز استراتيجي يكاد يكون المفتاح المنسي للمعادلة. دولة ممزقة الولاء تحتضن قواعد أمريكية بينما تحكمها ميليشيات موالية لطهران، والحشد الشعبي بستين فصيلاً مسلحاً يمثل جيشاً إيرانياً موازياً داخل دولة عربية. وبينما ضخ الخليج مئات المليارات في التسليح، أهمل إعادة بناء العراق كدولة مستقرة، وهو ربما الاستثمار الأجدى أمنياً على المدى البعيد.
واليمن حاضرٌ في هذه الحرب بصمته لا بنيرانه. فالحوثيون الذين تحولوا من ميليشيا محلية إلى قوة إقليمية تضرب السفن في البحر الأحمر، يقفون اليوم على الهامش ظاهرياً، لكن صمتهم ليس عجزاً بل قرار طهراني محسوب. إيران تحتفظ بهذه الورقة لمرحلة أشد ضراوة أو مفاوضات أكثر حساسية. سيفٌ مسلول في غمده أشد إرهاباً من سيف في الهواء، لأن توقيت سحبه رهينٌ بإرادة طهران وحدها.
في خضم هذا الاشتعال، أطلقت قطر مبادرات للوساطة، وعرضت روسيا حسن خدماتها، ونادت فرنسا بحل تفاوضي. غير أن هذه المبادرات جميعها ستبقى في دائرة المناشدات ما لم تتحقق الأهداف التي اشتعلت الحرب من أجلها؛ فلا واشنطن ستقبل وقف النار قبل تحييد البرنامج النووي الإيراني، ولا إسرائيل ستوقف ضرباتها قبل أن تُنجز ما عجزت عنه عقوداً من الضغط الدبلوماسي.
والأكثر إثارة للتأمل هو السؤال عمّن يستفيد فعلاً من هذه الحرب. الإجابة صادمة: المستفيدون ليسوا العرب. أمريكا تبيع السلاح وتُحوِّل الصراع من مواجهة أمريكية إيرانية إلى حرب عربية فارسية بالوكالة. وإسرائيل تتحول من معتدٍ في غزة إلى حليف في تحالف دفاعي من خلال الاتفاقيات الإبراهيمية ، فتنسى القضية الفلسطينية في خضم الفوضى. وروسيا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، والصين تراقب استنزاف خصمها الأمريكي وتملأ الفراغ بهدوء. أما الخليج فلا يكسب سوى الدمار.
ولا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى: كيف يُبطأ الصعود الصيني؟ الصين تستورد أكثر من نصف نفطها من المنطقة، وفوضى إقليمية مزمنة تعني طاقة غير مستقرة تضر اقتصادها مباشرة. من هنا، فإن إبقاء إيران في صراع مزمن يخدم الحسابات الأمريكية البعيدة، فيما تسعى بكين في المقابل إلى تثبيت نفوذها الاقتصادي في المنطقة بعيداً عن الانجرار العسكري.
والمفارقة الأشد إيلاماً أن دول الخليج تمتلك من الأسلحة المتطورة ما يكفي لحرب إقليمية كاملة، وموازنات دفاعية تُبهر الأرقام، غير أن مفاتيح هذا التسليح الهائل تبقى بيد مصنّعيها صيانةً وتحديثاً وتشغيلاً. وغياب العقيدة العسكرية المستقلة والكوادر البشرية القادرة على إدارة هذه الترسانة باستقلالية يحوّلها من رادع استراتيجي إلى ديكور عسكري مكلف. هذا هو جوهر الأمن المستعار: قوة ظاهرة تعتمد في صميمها على إرادة غيرها.
هل ستتحقق أهداف هذه الحرب أصلاً؟ التاريخ يُعلّمنا أن الحروب ذات الأهداف الواسعة نادراً ما تنتهي وفق السيناريو المرسوم. إيران لم تنكسر تحت العقوبات عقوداً، ولن تستسلم تحت القصف أسابيع. والأرجح أن المآل تسوية جزئية يتوقف فيها البرنامج النووي ظاهرياً مقابل تخفيف العقوبات، فيما تبقى الأذرع الإيرانية راقدة لا مُجتثّة. أما إن امتدت الحرب، فنحن أمام لحظة تأسيسية لنظام عالمي جديد؛ إيران المُنهَكة لن تكون إيران المُروَّضة، وصدمة الحرب قد تُفرز قيادات أشد تطرفاً، وعندها ستكون منطقتنا ساحة الاختبار الكبرى بين محور غربي وشرق أوراسي، لا طرفاً صانعاً للقرار.
في نهاية المطاف، أمن الخليج لا يُبنى بالاستئجار ولا بالمظلات الخارجية. الحقيقة القاسية أنه لا يمكن أن يُبنى إلا من داخله؛ عبر تماسك دوله وتعزيز قدراتها الدفاعية المستقلة وبناء عقيدة استراتيجية موحدة تحول هذه الدول من مستهلك للأمن إلى منتج له. فالمنطقة لا تحتاج إلى انتصار طرف على آخر، بل إلى نظام توازن إقليمي تفرض فيه قواعد ردع متبادلة واضحة المعالم. ومن دون ذلك ستبقى عواصم الخليج، بكل ما راكمته من ثروة وطموح وتسلح، معلقة بين مطرقة الصراعات الإقليمية وسندان مصالح القوى الكبرى، في لعبة أمم تتنقل فيها الحروب من دولة إلى أخرى دون أن تنتهي.

العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

العميد الركن المتقاعد هو ضابط رفيع من المؤسسة العسكرية اللبنانية، يمتلك مسارًا مهنيًا حافلًا في القيادة والتخطيط الاستراتيجي. يحمل ماجستير بحثية في الدراسات الاستراتيجية مع تركيز على قضايا الأمن القومي وإدارة الأزمات، إضافة إلى إجازة في العلوم السياسية ودبلوم في المالية وإدارة البلديات، ما يمنحه مقاربة شمولية تجمع بين الخبرة العسكرية والمعرفة الأكاديمية والإدارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى