الاحدثالشرق الاوسط

عندما يتماهي خصوم الإسلام السياسي مع الأجندة الصهيونية ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

في خضم التحولات الجارية في العالم العربي والإسلامي ، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح وهو كيف يتماهي بعض أصحاب الخصومة الفكرية أو السياسية مع الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، المسالم منه والمقاوم، مع الأجندة الصهيونية، رغم التناقض الجوهري في القيم والمبادئ والغايات ؟

 

الحقيقة أن هذا التماهي لا يقوم على توافق فكري أو عقائدي، بل على تقاطع مصالح مؤقتة بين أطراف تتشارك هدفًا واحدًا هو إضعاف التيارات الإسلامية السياسية، التي باتت رغم تباينها تمثل صوتًا مؤثرًا في الشارع العربي والإسلامي، وقوة قادرة على تحريك الجماهير واستنهاض الوعي العام، سواء في اتجاه المقاومة أو في اتجاه الإصلاح السياسي والاجتماعي .

 

فخصومة بعض الأنظمة والقوى المحلية مع الإسلام السياسي ليست خلافًا في الرؤى بقدر ما هي صراع على الشرعية والنفوذ . هذه القوى بحكم تموضعها في المشهد الإقليمي تبحث عن أي حليف أو سند يتيح لها تحييد التيارات الإسلامية أو إضعافها او حتي محوها .

وهنا يظهر التماهي مع الأجندة الصهيونية ، التي تضع في رأس أولوياتها تفكيك كل ما يمكن أن يشكل خطرًا على أمن الكيان الإسرائيلي أو على بنية الهيمنة الغربية في المنطقة.

 

إن ما نشهده اليوم في فلسطين هو المثال الأوضح، فالمقاومة الفلسطينية، التي تمثل أحد أوجه الإسلام السياسي المقاوم، تواجه ليس فقط آلة الحرب الصهيونية، بل أيضًا منظومة ضغوط سياسية وإعلامية إقليمية ودولية تسعى إلى تجريدها من شرعيتها أو حصرها في زاوية الاتهام والتجريم، في حين يُفتح المجال أمام التطبيع والتبرير للانخراط في مشاريع تخدم أمن إسرائيل ومصالحها .

 

وفي السودان، تتقاطع الخطوط ذاتها وإن اختلفت الأدوات ؛ فالصراع الدائر هناك لا يمكن فصله عن محاولات إعادة تشكيل الخريطة السياسية في المنطقة على نحوٍ يُقصي التيارات ذات المرجعية الإسلامية الوطنية أو المقاومة، ويُعيد إنتاج أنماط الهيمنة القديمة تحت عناوين جديدة .

أما في بقية المنطقة العربية والإسلامية، فقد أصبحت الصراعات الطائفية والمذهبية والسياسية ساحة مثالية لتفتيت الوعي الجمعي للأمة، وتحويل المعارك الكبرى ضد المشروع الصهيوني إلى صراعات داخلية تُنهك المجتمعات وتستنزف طاقاتها .

 

إن هذا التماهي بين خصوم الإسلام السياسي والأجندة الصهيونية ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تفكير نفعي قصير المدى يضع الخصومة الأيديولوجية فوق المصلحة الاستراتيجية للأمة. وهو في جوهره خدمة مجانية لمشروعٍ يسعى منذ عقود إلى تمزيق الجغرافيا السياسية للعرب والمسلمين، وإفراغها من كل مضمون مقاوم أو نهضوي .

لا يمكن لمن يتماهى مع الأجندة الصهيونية عن قصد أو عن جهل أن يدّعي حماية الأمن القومي العربي أو الدفاع عن قضاياه المركزية او استقلال قراره .
فالتاريخ يثبت أن من يحارب الوعي والمقاومة يخدم العدو ، ولو من حيث لا يدري أو يريد .

 

وعلى تيار الإسلام السياسي في منطقتنا العربية أن يخفض جناح الرفق والتفاهم مع الآخرين من شركاء الوطن وتقديم كل تنازل ممكن من أجل الوصول الي كل مشترك مع الآخرين، على النحو الذي لايجبرهم أن يجدوا أنفسهم مصطفين في معسكر الأجندة الصهيونية والأمريكية.

يحتاج تيار الإسلام السياسي الي بناء مقاربات جديدة تجعله أكثر انخراطا في الهموم الوطنية ،
بعيدا عن نزعة الاستفراد بالرأي وبالقرارات التي تؤثر في اتجاهات المصير الوطني .

لقد جرت شيطنة الإسلام السياسي من باب أنه ينزع الي إشعال الحروب والمواجهات التي تنوء الشعوب بأحمالها وتكاليفها وهي تفوق طاقة احتمالها وربما هي غير مستعدة لخوض غمارها بقرار منفرد لايستصحب فيه شركاء الوطن .
يحدث ذلك مع حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين ، ويحدث ذلك مع حزب الله في لبنان ، ومع أنصار الله في اليمن ، ومع الحركة الإسلامية في السودان .
بينما يري خصومهم من الذين حسنت نيتهم أن هناك طريقا أخرى للمقاومة وتحقيق الأهداف هي الطريق السلمية والمفاوضات وتقديم التنازلات الممكنة ، باعتبار أن ذلك أقل تكلفة واجدر أن يحفظ الدماء والمقدرات ولو تأخرت نتائجه .

والسؤال هو إذا كان من الممكن فعلا اعتماد طريق ثالثة ؟
ونعني بها طريقة ثالثة غير مستسلمة أو محايدة في الصراع مع العدو وبالضرورة لا تقبل ببيع وتفكيك جبهة المقاومة ونزع سلاحها لصالح العدو .

في كل الأحوال ليس هناك اجدي من الحوار الوطني سبيلا بديلا للمواجهة والخصومة والتخوين ، واتاحة الفرصة للعدو أن يدخل من باب الخلاف والتناقض ويستثمر في المشكلات المتراكمة دون حل أو تفاهم .

 

المطلوب هو حوار وطني يحفظ الأوطان ويحقق الغايات ويبقي الصف متماسكا والعدو حسيرا ،
معادلة قد تبدو صعبة المنال ، لكنها ليست مستحيلة .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى