الاحدثالشرق الاوسط

محادثات فيينا: أمريكا في مواجهة ايران … هل يخرج الدخان الابيض | كتب د. عوض سـليميـة

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

تتعدد الازمات التي تعصف بالادارة الامريكية الحالية والتي وعدت ناخبيها بعكس جميع سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب والتي اضرت بالمصالح الامريكية العليا، ومع استمرار عجز هذه الادارة عن ايجاد مفاتيح لحل الازمات، تعود ازمة الملف النووي الايراني لتتصدر المشهد من جديد، وفق ما ورد على لسان مسؤول أمريكي ” فان اسوأ قرار اتخذته ادارة ترامب كان الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران” وهو ما أتاح لها الفرصة باستئناف عمليات تصخيب اليورانيوم، حيث وصلت الى نسب عالية بلغت 20% و60% وفق عديد من المصادر، وهذا ما دفع الرئيس بايدن للحديث بان افضل سبل لاحتواء طهران ومنعها من الوصول الى امتلاك سلاح نووي هو اعادة احياء وثيقة العمل المشتركة، بعيارة اخرى، العودة الى الاتفاق النووي الموقع بين الجانبين عام 2015 والذي انسحب منه ترامب في آذار من العام 2018.

مساء السبت الموافق 03/12/2021 اعلن الفريقان الاوروبي والايراني الى جانب وفدي الصين وروسيا انتهاء الجولة السابعة من المفاوضات الخاصة بملف ايران النووي، حيث ورد على لسان المتحدثين من كلا الوفدين الاوروبي والايراني تصريحات متباينة بين متفائل ومتشائم من النتائج وكل يرمي الكرة في ملعب الاخر ويصفه بغير المرن وان مطالبه متطرفة وفيها تفلت من الالتزامات الموقعة. ومع ذلك اعلن الفريقان عن انعقاد جولة جديدة من المفاوضات تبدأ الخميس 11/12/2021.

ما هي أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين

ما تريده طهران من هذه المحادثات بالدرجة الاولى رفع العقوبات الامريكية المفروضة عليها منذ العام 2018 بشكل كامل ودفعة واحدة، بينما تريد واشنطن اظهار حسن نوايا من ايران والسماح للمفتشين الدوليين ببدء عملهم قبل رفع الحصار، الامر الذي ترفضه ايران جملة وتفصيلا كونها تسعى الى تحقيق أهم انجاز من هذه المفاوضات وليس السماح لطائرات المفتشين الدوليين النزول في مطار طهران فقط دون ان تقدم لشعبها شيء يخفف عن كاهله أعباء العقوبات، بالاضافة الى ذلك، ترى طهران وبسبب عدم الثقة في الادارة الامريكية انها ليست مضطرة لان تنتظر حتى يجتمع اعضاء الكونجرس لأخذ قرار برفع العقوبات على اعتبار ان هذه المسائل تأخذ وقتًا طويلًا بينما عودة المفتشين لا تحتاج الا الى بضع دقائق حتى يصدر قرار القيادة الايرانية للسماح بعودتهم .

برزت خلال المفاوضات نقطة خلاف اخرى، فطهران تريد العودة الى نفس صيغة الاتفاق السابق 2015 دون اضافة اي بند اخر، بينما تدفع امريكا وحلفائها من الغرب بضرورة تضمين برنامج ايران الصاروخي للاتفاق الجديد وضرورة اخضاعة لرقابة المفتشين الدوليين.

من جانبها، تطالب ايران بتعهد ملزم من الامريكيين بعدم التراجع عن الاتفاق في حال توقيعه من قبل اي إدارة امريكية قادمة، وهو الامر الذي ترفضه إدارة بايدن على اعتبار ان هذا

النوع من التعهدات ليس من صلاحيات الرئيس وانما يحتاج الى العودة الى الكونجرس لمناقشته واقراره او رفضه.

ان صعوبة المفاوضات التي تجري الان في نسختها الثانية وبعد 7 جولات تمت الاسبوع الماضي بين الطرفين مصدرها فقدان الثقة، بالاضافة الى شعور سائد بين الطرفين بانه صاحب اليد العليا في المفاوضات ويدفع بخصمه الى حافة الهاوية حيث يمارس كل طرف اقصى درجات الضغط والتخويف بهدف تحصيل اكبر قدر من المكاسب الممكنه، وسط تصريحات من البيت الابيض مفادها أن الرئيس بايدن أوعز لمساعديه بدراسة كل الخيارات الممكنة في حال فشل المفاوضات، بادر الوفد الايراني بطرح مسودتين تلخصان رؤيته للحل ( رفع العقوبات واعادة الالتزام بنسبة تخصيب اليورانيوم) وهو ما صنفه الاوروبيون طريق في الاتجاه الصحيح، في الوقت نفسه، طرح الاوروبيون مسودة اخرى للنقاش ويجري التفاوض بشأن كل ما هو مطروح على الطاولة.

في الواقع _ وفق آراء العديد من المراقبين، ليس من مصلحة الطرفان الخروج دون اتفاق، من ناحية، فإن اعلان فشل هذه الجولة من المفاوضات يعني تكرار خطأ الرئيس ترامب وترك طهران تستمر في تخصيبها لليورانيوم وصولا للقنبلة الذرية وهذا ما لا تريده إدارة بايدن لا سيما الديموقراطيون ولا الغرب عمومًا، اضافة الى ان الوضع الداخلي والخارجي الامريكي لا يسمح باعلان حرب على ايران، في الوقت الذي تنشغل فيه امريكا بالمنافسه مع الصين في بحر الصين الجنوبي حيث تايوان، والتوتر المتصاعد مع روسيا حيث اوكرانيا وازمة البحر الاسود. من ناحية أخرى، سوف ينعكس عدم توقيع الاتفاق سلبًا على الوضع الاقتصادي الكارثي في ايران والتي تعاني منه منذ العام 2018 والمتوقع أن يتضاعف سلباَ بفعل العقوبات الجديدة التي ستفرضها أمريكا وحلفائها في حال فشلت المفاوضات.

إن الجهود المكثفة التي تبذلها الاطراف كافة والشعور بالمسؤولية والجدية في التفاوض سوف يدفعان بالطرفين الى ايجاد نقطة التقاء في منتصف الطريق، اما أن يكون بصيغة “خطوة مقابل خطوة” او صيغة “قليل مقابل قليل” على غرار وقف اطلاق النار بين اي دولتين متحاربتين. فالتقارير الواردة تفيد بحلحلة بعض النقاط العالقة وان ايران تقدمت باكثر من مقترح الى جانب الاوروبيين ايضا للوصول الى نقطة وسط ترضي كافة الاطراف.

ومع استمرار الموقف الامريكي الذي يفضل إعادة إحياء اتفاقية العمل المشترك باعتبارها الحل الانسب للملف النووي الايراني، الى جانب دعوات الادارة الامريكية بلقاء الوفد الايراني مباشرة وليس عبر وسيط للوصول الى نقاط مشتركة وطريق وسط لحل الازمة. فإن هذه المواقف الى جانب الموقف الايراني تضفي مزيدًا من الامل بالانتهاء من هذا الملف قريبًا. فهل يصعد الدخان الابيض من فيينا.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى