الاحدثفلسطين

إسرائيل تستدعي سلاح معاداة السامية، وفرنسا ترد: خطابك مخزي ودنيء وتتوعّده بالرد | بقلم د. عوض سليمية

مع اختتام مرافعات مؤتمر نيويورك الدولي الذي استمر خلال الفترة من 28-30 يوليو /تموز الماضي تحت رعاية المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية، صدر البيان الختامي بتوقيع ممثلي 17 دولة، بالإضافة الى عدد من الدول الأوروبية، مؤكداً على وجوب تنفيذ حل الدولتين، هذا البيان الدولي كان بمثابة خطوة أولية لاعتماده في الاجتماع القادم للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين المقررة في ديسمبر.

باعتباره خارطة طريق تنهي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. في هذا السياق، حمّل المؤتمر الدولي رسالة واضحة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة اللتان قاطعتا أعماله، مفادها، أنه آن الأوان لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقه في تقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967. وأن السعي لتحقيق هذا الهدف ليس فقط مصلحة عالمية بل هو مصلحة إسرائيلية بالدرجة الأولى.

موقف واشنطن المعارض لهذا الجهد الدولي والمساند تاريخياً لاسرائيل لم يتأخر كثيراً، وبدأ ترامب بإرسال رسائل تحذير في كل الاتجاهات وخاصة نحو كندا وفرنسا الزعيم السياسي الحالي لأوروبا. محاولاً تقزيم مخرجات هذا الاعلان والتقليل من شأن الدول الموقعة عليه؛ وعلق قائلاً، ” ماكرون رجل جيد، لكن كلماته لا وزن لها”، واضاف “فرنسا حليف، لكننا لا نولي أهمية كبيرة لهذا التصريح”. من ناحيته، سارع نتنياهو ووزير خارجيته ساعر بتوجيه سهام الانتقاد نحو فرنسا والدول الاوروبية التي تعهدت بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، معتبرين ان هذه الخطوة هي مكافئة لما اسماه “الإرهاب” الفلسطيني، زاعماً أن هذه الخطوة لن تسهم في بناء

 

السلام والاستقرار في الشرق الاوسط

بيان نيويورك الدولي وتعهدات العديد من الدول الاوروبية الانضمام للجهود الفرنسية في قرارها الاعتراف بالدولة الفلسطينية ودفع جهود السلام في منطقة الشرق الاوسط قُدماً، ضغطت على عصب العين لنتنياهو وحلفائه في اليمين المتطرف، واجتاحتهم موجة من الغضب دفعتهم للتصرف كقطيع من الفيلة المطعونة في متحف اللوفر. من ناحيته، انتقد نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ياريف ليفين القرار، واصفاً إياه بـ “وصمة عار في تاريخ فرنسا ومساعدة مباشرة للإرهاب”. بالمثل، هدد وزير خارجيته ساعر بإغلاق القنصلية الفرنسية في القدس. لم يكتف نتنياهو بهذه المواقف، بل امتدت انتقاداته لتصل قصر الإليزيه في خطوات تصعيدية متواصلة مع الدولة الفرنسية، متهماً ماكرون بتغذية معاداة السامية وكراهية اليهود في فرنسا.

سلاح “معاداة السامية” أو سلاح الردع الدولي الذي صممه الكونجرس الامريكي، وتجيد اسرائيل استخدامه لتبرير بقائها خارج نطاق محاسبة القانون الدولي، جرى استدعائه على الفور لتبرير هجمات نتنياهو المنظمة تجاه فرنسا في محاولة يائسة لثنيها عن القرار. وفقا لموقع صحيفة الليموند الفرنسية انتقد نتنياهو في رسالته المؤرخة في 17 آب اغسطس الرئيس ماكرون، متهماً إياه بأن قراره الاعتراف بالدولة الفلسطينية يغذي معاداة السامية. “دعوتك إلى إقامة دولة فلسطينية تزيد من اشتعال نار معاداة السامية. هذه ليست دبلوماسية، بل استرضاء. إنها تكافئ “الارهاب”، وتشجع أولئك الذين يهددون اليهود الفرنسيين، وتشجع كراهية اليهود التي تجوب شوارعكم الآن”. هذه الرسالة اثارت حفيظة مكتب ماكرون، الذي أصدر بياناً وصف فيه خطاب نتنياهو بـ “الوضيع/ الدنيء” و”الخاطئ”. واكد إن فرنسا “تحمي وستظل تحمي مواطنيها اليهود”، متوعداً ان هذه الاتهامات “لن تمر دون رد”، مُجدداً التزام القصر بما وعد به الرئيس ماكرون في سبتمبر القادم؛ “هذا وقت الجدية والمسؤولية، وليس وقت الخلط والتلاعب”.

بينما تتهيأ إسرائيل لاحتلال قطاع غزة بأكثر من 100 ألف جندي مع ارتكاب مزيد من المجازر الدموية اليومية، كانت دعوات المعارضة الفرنسية وأنصار الحق الفلسطيني حاضرة لدعم موقف الحكومة الفرنسية والرد على تهديدات نتنياهو، وواصلت ضغطها على الحكومة والرئاسة بوجوب الوفاء بتعهداتها الدولية والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، والعمل على دفع الدول الاوروبية الاخرى للإقدام على هذه الخطوة في ديسمبر القادم لتحقيق حل الدولتين بإعتباره المسار الوحيد لتحقيق الامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط.

توتر العلاقات السياسية بين إسرائيل من جهة؛ وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي الداعمة للاعتراف بدولة فلسطين من جهة اخرى، هي فرصة استراتيجية نادرة ينبغي استغلالها لتعزيز الزخم الدولي لصالح القضية الفلسطينية، والدفع نحو مزيد من فرض العزلة على دولة الاحتلال في سياق تزايد الوعي العالمي بوجوب إنهاء آخر احتلال على وجه الارض، والذي يمثل انتهاكاً مستمراً للقانون الدولي وحقوق الإنسان. في سياق هذا المشهد الدولي المواتي، فإن المطلوب ليس فقط التركيز على جهود الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الرغم من أهميته على الساحة الدولية، بل المطلوب الدفع نحو وجوب إنهاء الاحتلال بشكل كامل وضمان تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني. عندها فقط، يمكن القول ان مواقف الدول الاوروبية اصبحت وازنة من جديد وأن العدالة الدولية عادت لتسود في هذا العالم.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى