
لا يمكن تصنيف تدمير المساجد والكنائس في قطاع غزة وجنوب لبنان كأضرار عرضية ناتجة عن العمليات العسكرية بل هو فعل ممنهج يحمل دلالات سياسية ونفسية عميقة تتجاوز تدمير البناء المادي لتستهدف الهوية والذاكرة الجماعية للشعوب.
تمثل دور العبادة في الوجدان العربي مراكز أساسية للتماسك الاجتماعي وشواهد تاريخية على الجذور والوجود الأصيل في الأرض ولذلك فإن تحويلها إلى ركام يعد محاولة لضرب العمود الفقري المعنوي للمجتمع وزرع اليأس في نفوس المدنيين.
يرى الخبراء في دراسات الصراع أن قصف المقدسات يهدف إلى شن حرب نفسية شاملة ترسل رسالة مفادها أنه لا يوجد مكان آمن أو مقدس بعيداً عن دائرة النار مما ينتج حالة من الخوف الوجودي الجماعي لدى السكان المحاصرين.
يتجاوز الهدم اللحظي للبيوت الأثرية والمساجد العريقة فكرة التدمير المادي ليصل إلى محاولة محو الشواهد الحضارية التي تثبت عمق الوجود الفلسطيني واللبناني وهو ما يصفه المؤرخون بأنه استثمار متعمد في سياسة النسيان القسري وطمس المعالم.
إن انتهاك حرمة المقدسات دون وجود رادع دولي يرسخ معادلة خطيرة تجعل القوة فوق القانون وتثبت أن السلاح يمكنه تجاوز القيم الإنسانية مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمبادئ القانون الدولي الإنساني التي تعتبر هذه الأفعال جرائم حرب.
تشير التقارير الحقوقية إلى أن استهداف المساجد والكنائس في مناطق بعيدة عن الاشتباكات المباشرة يعزز فرضية الرسائل الرمزية حيث يسعى المعتدي إلى اختبار حدود الصمت العالمي وتطبيع انتهاك المقدسات كأمر واقع لا يستوجب العقاب.
يهدف هذا النوع من العنف الرمزي إلى تفكيك الروابط الداخلية للمجتمعات ودفعها نحو الهجرة أو الاستسلام عبر كسر الرموز التي تمنحهم القوة الروحية والثبات وهو ما يجعل تداعيات هذا العدوان أخطر بكثير من الدمار المادي الملموس.
رغم فداحة الخسائر في الحجر يظل التاريخ شاهداً على أن المقدسات قد تتعرض للهدم المادي لكن قيمتها ومعناها في وجدان الشعوب تظل عصية على القصف والاندثار لأن إيمان الشعوب بحقوقها لا يمكن إخضاعه عبر تدمير الجدران.




