مراجعة واستعراض موسّع لكتاب “الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية” – جون ميرشايمر

يأتي كتاب «الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية» (The Great Delusion: Liberal Dreams and International Realities) للمفكر الأمريكي جون ميرشايمر ليقدّم واحدة من أكثر القراءات نقدًا للسياسة الخارجية الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فالمؤلف، أحد أبرز منظّري “الواقعية الهجومية” في العلاقات الدولية، يرى أن الولايات المتحدة عاشت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في ظل وهم أيديولوجي كبير: ظنّت أنها قادرة على إعادة تشكيل العالم وفق نموذجها الليبرالي، متجاهلة طبيعة النظام الدولي الفوضوي الذي لا يخضع إلا لقواعد القوة والمصلحة.
ينطلق ميرشايمر من فرضية مركزية مفادها أن الليبرالية، كفلسفة سياسية، تحمل في داخلها بذور التناقض حين تتحول من فكرة داخلية تُعنى بالحرية الفردية والديمقراطية، إلى أداة خارجية تسعى لفرض هذه القيم على العالم. فحين تحاول دولة ما — مهما كانت نياتها حسنة — فرض نموذجها السياسي على الآخرين، فإنها تتحوّل من “نموذج” إلى “إمبراطورية مقنّعة”. ومن هنا، يرى الكاتب أن الليبرالية التي تغلغلت في السياسة الأمريكية ليست إلا واجهة مثالية لمشروع هيمنة جديد اتخذ من القيم الإنسانية ذريعة لتبرير التدخلات والحروب.
يخصّص ميرشايمر فصولاً كاملة لتحليل تجارب تاريخية تؤكد فشل هذه الرؤية الليبرالية، بدءًا من البوسنة وكوسوفو وصولاً إلى العراق وأفغانستان، مرورًا بمحاولة توسيع حلف الناتو شرقًا في وجه روسيا. في جميع هذه الحالات، يبيّن كيف أدى الإيمان المفرط بالقدرة على “تصدير الديمقراطية” إلى نتائج عكسية، زادت من التوترات الدولية بدل تخفيفها، وأضعفت صورة الولايات المتحدة كقوة عقلانية مسؤولة. بل إن هذا النهج، بحسبه، ساهم في صعود قوى مضادة مثل الصين وروسيا اللتين استغلّتا الأخطاء الليبرالية الغربية لإعادة التموضع في النظام الدولي الجديد.
على المستوى النظري، يقدّم ميرشايمر في هذا الكتاب دفاعًا متماسكًا عن الواقعية بوصفها الإطار الوحيد القادر على تفسير سلوك الدول الكبرى. فهو يرفض فكرة أن البشر — أو الدول — يمكن أن يتجاوزوا طبيعتهم التنافسية عبر المؤسسات أو الأعراف الدولية. بالنسبة له، الليبرالية تتجاهل الدافع الأساسي للسياسة: البحث عن الأمان في عالم بلا ضامن. ومن هذا المنطلق، فإن “الهيمنة الليبرالية” ليست سوى حلم خطير لأنها تفترض إمكان بناء نظام عالمي قائم على التعاون الدائم، في حين أن التاريخ يثبت العكس.
يمتاز أسلوب ميرشايمر في «الوهم العظيم» بالوضوح المنهجي والقوة الجدلية. فهو لا يكتفي بالنقد، بل يشرح الجذور الفلسفية للليبرالية، من فكر التنوير الأوروبي إلى الفردانية الحديثة، ويقارنها بالواقعية السياسية التي ترى الإنسان كائنًا محدودًا بالغرائز والمصالح. وفي هذا السياق، يُظهر أن المثالية الليبرالية التي تصوّر الإنسان عقلانيًا ومسالمًا تصطدم بواقع الصراع المستمر على النفوذ والموارد، مما يجعلها — في ميدان العلاقات الدولية — أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة.
ورغم الطابع النظري للكتاب، فإن ميرشايمر لا يغفل البعد الأخلاقي والسياسي لموقفه. فهو يدرك أن دعوته إلى الواقعية قد تُفهم على أنها تبرير للقوة أو تخلٍ عن القيم، لكنه يرد بأن “الأخلاق الحقيقية في السياسة الخارجية هي تجنّب الحروب غير الضرورية”، لأن السعي وراء مثلٍ غير قابلة للتحقق يؤدي إلى مآسٍ بشرية واقتصادية تفوق أي مكسب رمزي. ومن هنا، فهو لا يدعو إلى العزلة، بل إلى عقلانية استراتيجية تحترم الحدود الواقعية للإمكانات الأمريكية.
في استعراضه لتاريخ الليبرالية الأمريكية، يربط ميرشايمر بين الأيديولوجيا والسياسة، موضحًا كيف تحوّل الخطاب الليبرالي إلى وسيلة لإخفاء منطق الهيمنة. فالديمقراطية، حين تُفرض بالقوة، تفقد معناها الأخلاقي، والمؤسسات الدولية، حين تُستخدم لتبرير نفوذ القوى الكبرى، تتحوّل إلى أدوات في لعبة المصالح. ويخلص الكاتب إلى أن الولايات المتحدة — إذا أرادت الحفاظ على مكانتها — عليها أن تتخلى عن أوهامها المثالية وأن تعود إلى الواقعية التي صنعت قوتها في القرن العشرين.
الخاتمة والاستنتاج
إن «الوهم العظيم» ليس مجرد كتاب في السياسة الدولية، بل هو بيان فكري ضد “التنويم الأخلاقي” الذي تمارسه الليبرالية الحديثة على صناع القرار والرأي العام في الغرب. إنه يذكّر بأن الطريق إلى الجحيم معبّد بالنوايا الحسنة، وأن السعي إلى جعل العالم نسخة من الذات قد يقود إلى دمار مشترك. ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي مفتوحًا: هل الواقعية التي ينادي بها ميرشايمر — مهما كانت منطقية — كافية لبناء عالمٍ إنساني عادل؟ أم أنها تتركنا في دوامة من الصراع اللامنتهي حيث البقاء للأقوى؟
الكتاب في النهاية دعوة إلى التواضع السياسي والفكري، وإلى إدراك أن القوة بلا وعي، مثل الأخلاق بلا حدود، كلاهما طريق إلى الوهم العظيم ذاته.




