
تقدم استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة عرضا منظما لرؤية السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية، كما تشكل مرجعا مهما لفهم فلسفة السياسة الخارجية الأمريكية الحالية ورؤيتها حول الحوكمة العالمية. وتنطلق هذه الاستراتيجية من مبدأ “أمريكا أولا” بوصفه الركيزة الأساسية، مؤكدة أولوية حماية المصالح القومية الأمريكية والسيادة الوطنية، مع إجراء مراجعة معمقة للسياسات الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة. وفي ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي والزيادة الملحوظة في حالة عدم اليقين العالمي، فإن ما تعكسه هذه الوثيقة من توجهات السياسة الخارجية الأمريكية يستحق اهتماما بالغا من المجتمع الدولي.
تحدد استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة بشكل واضح أولويات الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي. تشمل هذه الأولويات إعادة التوازن في العلاقات التجارية، واستعادة الريادة في مجال الطاقة، ومعالجة الهجرة واسعة النطاق، وتعزيز الهيمنة في القطاع المالي، واتباع نهج “السلام من خلال القوة”، إضافة إلى الحفاظ على الأمن القومي والنفوذ الدولي. وتعكس هذه الأولويات رؤية شاملة حول الأمن والتنمية والاستقرار الاجتماعي في سياق تعديلات عميقة في الهياكل السياسية والاقتصادية المحلية والدولية. كما تظهر هذه الأولويات اهتمام إدارة ترامب البالغ بالقضايا الداخلية مثل المخدرات والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة، غير أن التركيز على الدبلوماسية القائمة على القيم والصراع الأيديولوجي والتنافس الجيوسياسي يتراجع نسبيا مقارنة بالإدارة السابقة.
“أمريكا أولا”: المبدأ المحوري لاستراتيجية الأمن القومي
على المستوى الإقليمي، تعزز استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة منطق الحوكمة التفاضلية، أي صياغة سياسات خارجية موجهة بناء على أهمية وأولوية مختلف مناطق العالم بالنسبة للمصالح الجوهرية للولايات المتحدة. ففي نصف الكرة الغربي، تطرح الوثيقة ما يمكن وصفه بـ”الصيغة الترامبية لمبدأ مونرو”، مؤكدة على الهيمنة الأمريكية المطلقة في نصف الكرة الغربي. أما في آسيا، فيتركز الاهتمام على تعزيز القدرة التنافسية الاقتصادية والتكنولوجية، والحفاظ على الردع العسكري والسيطرة على الممرات البحرية الحيوية. وفي أوروبا، تدعم الولايات المتحدة استعادة الحضارة الأوروبية والثقة بالنفس، وتشجع الحلفاء على تحمل مسؤوليات دفاعية أكثر، والاضطلاع بدور أكثر فاعلية في الشؤون الأمنية.
وفي الشرق الأوسط، تتبنى الاستراتيجية “نقل الأعباء وبناء السلام”، وذلك بتقليص التدخل المباشر والاعتماد بشكل أكبر على قدرات دول المنطقة للحفاظ على الاستقرار، مع ضمان عدم الإضرار بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، وفي الوقت نفسه تعزيز توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام. أما في إفريقيا، فتسعى الولايات المتحدة إلى التحول من نموذج المساعدات إلى نموذج الاستثمار، وإقامة علاقات تجارية واستثمارية قائمة على المنفعة المتبادلة.
وتعكس هذه الترتيبات التفاضلية المذكورة أعلاه التقسيم الوظيفي لإدارة ترامب للشؤون العالمية في إطار مبدأ “أمريكا أولا”، وبالتالي تقوم إدارة ترامب بإعادة تعديل أولويات السياسة الخارجية وتوزيع الموارد الاستراتيجية، مما يساهم في حماية “مصالح الأمن القومي الأساسية”.
وعلى المستوى الفكري، يعد مبدأ “أمريكا أولا” حجر الأساس لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة، ويعكس رؤية الولايات المتحدة الشاملة حول المصالح الوطنية والنظام الدولي والحوكمة العالمية.
كما تطرح الوثيقة مفهوم “أولوية الدول القومية” باعتباره تفسيرا موسعا لمبدأ “أمريكا أولا”، مؤكدة أن الدولة القومية كانت ولا تزال وستبقى الوحدة السياسية الأساسية في العالم، وأن وضع كل دولة مصالحها الخاصة في المقام الأول والدفاع عن سيادتها أمر طبيعي وعادل.
ويستجيب هذا المفهوم إلى حد كبير للنقاشات الداخلية في الولايات المتحدة بشأن تكاليف التعددية، والأعباء الدولية، ومشكلة الحوكمة العالمية. كما يوفر الأساس النظري لانسحابات الولايات المتحدة المتكررة من الاتفاقيات والمعاهدات والمؤسسات الدولية في السنوات الأخيرة، بما يدل بشكل موضوعي على تراجع كل من القدرة المادية للولايات المتحدة ورغبتها لتحمل المسؤولية الدولية.
مع ذلك، تتفاقم التحديات العالمية المتمثلة في التغير المناخي، والتحول في مجال الطاقة، وأمن سلاسل الإمداد، والأمن النووي، وأزمات الغذاء، والطوارئ الصحية العامة، مما يستدعي بشكل عاجل جهودا دولية منسقة بدلا من منطق “فرق تسد”. العالم اليوم وحدة متكاملة، وفي النظام الدولي المترابط بصورة غير مسبوقة، تتشابك مصالح الدول القومية تشابكا وثيقا مع مصالح البشرية جمعاء، وغالبا ما يكون لخيارات السياسة التي تتخذها دولة ما آثار جانبية بالغة، فلا يمكن لأي دولة أن تبقى بمنأى عن هذه الآثار، ولن يؤدي اتباع نهج الأحادية والحمائية إلا إلى تفاقم قصور الحوكمة العالمية. لذا، باتت كيفية تعميق آليات التنسيق متعددة الأطراف مع الحفاظ على مبدأ السيادة الوطنية، وتحقيق وحدة جدلية بين المصالح الوطنية والمصالح المشتركة للبشرية، قضية جوهرية في الحوكمة العالمية.
“التكاتف العالمي”: الحكمة الصينية في الحوكمة الدولية
في مواجهة عالم مليء بالتغيرات، طرحت الصين نهجا للحوكمة العالمية يختلف عن النهج الأمريكي. فطالما دعت الصين إلى بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، مؤكدة أن مصائر جميع الأمم متشابكة ومصالحها متداخلة بعمق، وأن الأمن والتنمية لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن المجتمع الدولي، ولا سيما في ظل التحديات العابرة للحدود. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم مجتمع مصير مشترك للبشرية لا ينكر وجود الدول القومية أو مشروعية المصالح الوطنية. بل على العكس، فبينما يقر بوجود المصالح الوطنية موضوعيا، يشدد على إيجاد قاسم مشترك أكبر للمصالح في القضايا العالمية لتحقيق توافق متناغم بين المصالح الوطنية والمصالح الإنسانية المشتركة.
سعيا وراء تعزيز بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوم الحوكمة العالمية القائمة على “التكاتف العالمي”، مشيرا إلى أن “دول العالم ليست على متن أكثر من 190 قاربا صغيرا، بل على متن سفينة كبيرة ذات مصير مشترك”.
يدعو هذا المفهوم، المتجذر في الثقافة الصينية التقليدية، جميع الدول إلى تجاوز الخلافات، ودعم التعددية، وتعزيز التضامن والتعاون، ومعالجة قضايا الحوكمة العالمية بما فيها تغير المناخ والتحول العالمي في مجال الطاقة، والصحة العامة، والأمن الغذائي بشكل مشترك. وبالمقارنة مع نهج الحوكمة الذي يعطي الأولوية القصوى للمصالح الوطنية ومصالح الدول القومية، تنظر الصين إلى جميع مناطق العالم على قدم المساواة، مهتمة بتبلور التوافق من خلال الحوار والتشاور، واستبدال التحالفات الحصرية بالتعاون الشامل، والسعي إلى إيجاد حلول تتوافق مع المصالح العامة للبشرية ضمن آليات التعاون متعدد الأطراف، وتعزيز القيم المشتركة للبشرية جمعاء.
وعلى الصعيد العملي، طرحت الصين مبادرة الحوكمة العالمية باعتبارها منفعة عامة دولية مهمة أخرى إلى جانب مبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، وهذه المبادرات تسهم بالحكمة والحلول الصينية في مواجهة التحديات العالمية وحل مشكلات الحوكمة العالمية. لا تسعى الصين إلى تقويض النظام الدولي القائم، بل تدعم إصلاحه وتحسينه، مع وضع الأمم المتحدة في قلبه، وتبذل جهودها في دفع نظام الحوكمة العالمية إلى اتجاه أكثر عدلا وعقلانية وفعالية.
خاتمة
لا تعكس استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التوجه الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية خلال ولاية ترامب الثانية فحسب، بل تكشف أيضا عن فهم الولايات المتحدة واختيارها لمسار الحوكمة العالمية في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها النظام الدولي الحالي. وانطلاقا من مبدأ “أمريكا أولا”، تشدد الاستراتيجية على أولوية المصالح الوطنية والسيادة، ساعية إلى استخدام ذلك لتحديد مناطق النفوذ والحفاظ على هيمنة أمريكا. وفي المقابل، تدعو الصين إلى مواكبة مسار العولمة التاريخي، وتطرح مفاهيم مثل مجتمع مصير مشترك للبشرية والتكاتف العالمي والمبادرات العالمية الأربع وغيرها من المنافع العامة الدولية. طالما تعتبر الصين العالم وحدة متكاملة وتدعو إلى التعاون لمواجهة التحديات المشتركة وإلى آليات متعددة الأطراف لسد أوجه القصور في الحوكمة في عالم مترابط. في مواجهة التحديات العالمية التي تتجاوز الحدود الوطنية، لا سبيل أمام “سفينة” المجتمع البشري للإبحار آمنا وبعيدا إلا بالتخلي عن منطق الصفرية وممارسة روح “التكاتف العالمي” بصدق.
كاتب مشارك: تشين يو هانغ، باحث مساعد في معهد الدراسات الدولية والاقليمية في جامعة صون يات سين

