الاحدثدولي

الإخوان إرهابيون بأمر الصهيونية أم برغبة الخصوم ! | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

مضت الولايات المتحدة اليوم نحو خطوة مُلتبسة وخطيرة تتمثل في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيماً إرهابياً . .
 خطوة تبدو في ظاهرها إجراءً أمنياً ، لكنها في حقيقتها قرار سياسي لا يستند إلى قواعد علمية ولا إلى تقييمات موضوعية موثوقة ، بل إلى ضغوط حلفاء إقليميين ، ورغبات يمينية متشددة داخل واشنطن وإسرائيل ، وسعي لشرعنة معارك سياسية قديمة تحت غطاء قانوني واسع .
ولو كانت واشنطن تعتمد في مقاربتها على دراسة منهجية ، لكانت استحضرت المراجعة الواسعة التي قامت بها بريطانيا قبل سنوات ، والتي كلّف بها رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون لجنة متخصصة درست فكر الجماعة وتاريخها ونشاطها في بريطانيا وحول العالم .
 تلك الدراسة التي نشرت في ديسمبر ٢٠١٥م والتي كانت الأكثر شمولاً من نوعها لم تجد ما يثبت أن الإخوان يمارسون العنف أو يتخذونه منهجاً سياسياً ولم يطرأ أي تغيير يذكر علي تلك الحيثيات .
 ورغم ملاحظاتها وانتقاداتها الفكرية والتنظيمية ، إلا أن اللجنة لم تصل إلى أي نتيجة تُبرّر تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي .
 وتلك الحقيقة تُسقط أي ادعاء بأن الخطوة الأمريكية مبنية على معايير موضوعية أو على سلوك إرهابي مثبت .
الواقع أن الإخوان والإسلاميين تعرّضوا اكثر من غيرهم ، على مدى عقود ، لاضطهاد سياسي واسع ، وتضييق متكرر ، وأحكام قاسية ، وإقصاء من المجال العام بفعل الأنظمة الشمولية .
 ومع ذلك ظلّت الحركة بمختلف أطيافها جزءاً أصيلاً من نسيج المجتمعات العربية والإسلامية ، حاضرة بصورة سلمية في الجامعات والنقابات والمجتمع المدني ومراكز البحث والتربية والعمل الثقافي والدعوي .
 والإخوان ليسوا تنظيماً واحدا مركزيا مغلقاً يمكن حظره بقرار ، بل ظاهرة اجتماعية وسياسية ممتدة ومتعددة الملامح ، وفكرة ذات جذور عمرها قرن كامل .
غير أن توظيف الخصومة السياسية ضد الجماعة ، وإلباسها ثوب “الإرهاب” هي فعل قصير النظر ، يتجاهل حقيقة ثابتة مفادها أن الإخوان كانوا على اختلاف تقييم الناس لهم  جزءاً من المشاركة السياسية في دول عربية وإسلامية عديدة ، وأنهم مثلوا ، في بعض السياقات ، التيار الإسلامي المدني الذي اختار صناديق الاقتراع والعمل السلمي والتداول السياسي إطاراً لنشاطه العلني وحازوا في كثير من الانتخابات النزيهة علي أغلبية أو علي تفويض معتبر .
 ومن هنا يصبح القرار الأمريكي ليس
إدانة لسلوك عنيف  بقدر ماهو استجابة لارادة سياسية خارجية ورغبة داخلية أمريكية في إعادة تشكيل المشهد السياسي كله على مقاس اليمين المتطرف وتحالفاته الإقليمية والدولية .
وستكون للقرار تداعيات خطيرة في الدول التي تعترف بوجود الإخوان كحركة سياسية شرعية او حتي التي يوجد بها حضور مؤثر في الحياة الاجتماعية والسياسية ، مثل مصر و المغرب والجزائر  وتونس والأردن والكويت وتركيا وليبيا ولبنان واليمن والسودان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها.
 فهذه الدول ستجد نفسها أمام ضغوط أمريكية مباشرة ، وقد تُضطر لإعادة ترتيب خريطتها السياسية على حساب التوازنات القائمة ، بما يفتح أبواباً من التوتر والانقسام الداخلي ليست بحاجة إليه في هذه المرحلة الدقيقة .
 بل إن المجتمعات المسلمة في الغرب ستكون أكثر المتضررين ، لأن الكثير من المراكز الإسلامية وهيئات المجتمع المدني هناك تستند في رؤيتها الفكرية إلى المدرسة الوسطية التي نشأت عليها الحركة الإسلامية الحديثة .
 وسيوفر القرار ذريعة ذهبية لموجات جديدة من الإسلاموفوبيا والمراقبة الأمنية والتضييق القانوني .
أما على مستوى العالم الإسلامي ، فإن هذا القرار لن يضعف الإخوان وحدهم ، بل سيضر بالبيئة السياسية المعتدلة بأكملها ، ويفرغ الساحة من تيارات مدنية كان يمكن أن تشكل جسراً بين الدولة والمجتمع ، وبين الإسلام السياسي والديمقراطية .
 وحين تُغلق الأبواب أمام الحركات التي اختارت العمل الإسلامي السلمي ، فإن الفراغ الذي يتركه الاعتدال لن يبقى فارغاً طويلاً ، بل ستملؤه كالعادة التيارات الأكثر تشدداً وراديكالية ، وهي نتيجة يعرفها صانع القرار الأمريكي جيداً ، لكنه يتجاهلها حين تنسجم مع مصالحه أو مع رغبات حلفائه .
إن محاولة فرض تصنيف إرهابي على حركة اجتماعية ممتدة ومتجذرة لا يتحمل وزرها الإخوان وحدهم ، بل تتحمل المنطقة بأكملها تداعياتها .
 فهذا القرار في الغالب سيتحول إلى أداة استهداف للإسلام المدني نفسه ، وإلى غطاء لإقصاء كل المؤسسات الدعوية والثقافية والفكرية التي لا تنسجم مع الرؤية الغربية الجديدة للفضاء الديني .
 وسيخدم أيضا أولئك الذين لا يريدون إلا علاقة واحدة بين الغرب والإسلام ، علاقة شك وريبة وصراع ، لا علاقة حوار واحترام وتعدد .
والسؤال هنا ليس عن مصير الإخوان ، بل عن مصير المشهد الإسلامي والسياسي بأكمله .
هل يمكن لقرار سياسي خارجي أن يعيد رسم هوية دينية وثقافية واجتماعية تشكلت عبر قرن ؟
 وهل يمكن للولايات المتحدة أن تقرر وحدها من يمثل “الاعتدال” ومن يمثل “التطرف” ؟
 وماذا لو أدى القرار  كما هو متوقع إلى تمزيق المجتمعات العربية والإسلامية وإلى تغذية التطرف الذي تدّعي واشنطن محاربته ؟
إنّ مغامرة بهذا الحجم لن تكون في مصلحة الاستقرار ولا في مصلحة الشعوب ، بل ستكون وقوداً لصراعات جديدة ستدفع ثمنها المنطقة كلها .
 والذين يظنون أن القرار سيغلق صفحة الإخوان سيكتشفون سريعاً أنه يفتح صفحات أخرى أكثر خطورة وتعقيداً .
 فالمنطقة لا تحتاج لمطرقة جديدة تهوي بها واشنطن على خصومها السياسيين ، ولا لسندان يتكئ عليه اليمين المتطرف ليصنع سرديته ضد الإسلام .
 بل تحتاج إلى رؤية تعترف بتنوعها ، وتستوعب حركاتها ، وتدير خلافاتها بالحكمة لا بالإقصاء ، وبالحوار لا بالقمع ، وبالسياسة لا  بالتصنيفات العابرة للحدود .
ونقول للأحزاب اليسارية والعلمانية التي شجعت ودفعت لصدور هكذا قرار ،
أن لكم جميعا تجارب في الحكم وفي السياسة ليست مبرأة من الأخطاء ،
واذا تم إقصاء خصومكم الإخوان والاسلاميين ستجدون أنفسكم وبلدانكم وجها لوجه مع اليمين المسيحي واليهودي المتطرف ، ومع الأنظمة الفاشية والقمعية المتماهية معه ،  ولات حين ندامة .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى