
مع تصاعد الشهادات الدولية حول فظائع الحرب في السودان يكتسب تقرير جامعة ييل أهمية خاصة لما تمتلكه المؤسسة من صدقية علمية راسخة تمتد لأكثر من ثلاثة قرون .
فهذه الجامعة ، التي تُعد من أعرق مراكز البحث في الولايات المتحدة والعالم ، درجت على إصدار تقارير موثقة عبر “معمل البحوث الإنسانية” ، وهو معمل متخصص في التحقيقات الميدانية والأدلة الرقمية المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات واسعة النطاق .
وقد جاء التقرير الأخير في ظروف بالغة التعقيد ، اعتمد فيها على شبكة ميدانية من الباحثين المحليين قبل أن تنقطع اتصالاتهم تماماً عقب سقوط الفاشر ، ما أعطى للتقرير وزناً إضافياً وأضفى على نتائجه مسحة من المأساة والصدق المؤلم .
في هذا السياق ، ينقل ناثانيال ريموند ، المدير التنفيذي للمعمل ، واحدة من أكثر الشهادات قسوة منذ اندلاع الحرب .
فقد أكد أن الشبكة الميدانية أبلغتهم فور سقوط المدينة بأن نحو 1200 من الأسر والأصدقاء قُتلوا على يد مليشيا الدعم السريع (الجنجويد) ، قبل أن يقفز الرقم إلى عشرة آلاف خلال ساعات !
ومع اليوم التالي ، اختفى كل أثر لهم ، وانقطعت الاتصالات بشكل كامل ، ما يرجح أنهم جميعاً قد تمت تصفيتهم .
هذه المعطيات ليست مجرد أرقام في تقرير ، بل هي وثيقة دامغة على أن ما جرى في الفاشر جريمة حرب مكتملة الأركان ، تتوافر فيها نية الإبادة والاستهداف الجماعي على أساس عرقي وجغرافي .
إن القراءة المتأنية لهكذا تقارير ، خاصة حين تصدر عن مؤسسة بحثية عريقة لا مصلحة لها سوى كشف الحقيقة ، تكشف حجم الفجوة بين الواقع الدامي في السودان وبين خطاب بعض المؤسسات الدولية التي لا تزال تصر على دفع الحكومة السودانية للجلوس إلى طاولة التفاوض مع جماعة ارتكبت ، وفق أدلة ميدانية ودولية ، أفعالا ترقى إلى الإبادة الجماعية علي نحو مؤكد وموثق ومشهود !
إن مثل هذه التقارير تمثل شهادة مهنية حيادية لا يمكن القفز فوقها أو التعامل معها بخفة سياسية ، لأنها تكشف عن بنية عنف ممنهج ، وعن مشروع يقوم في جوهره على الترويع والسيطرة عبر القتل الجماعي وتهجير السكان واجتياح المدن .
التحدي الأخلاقي والسياسي الذي يواجه المجتمع الدولي اليوم يتمثل في كيفية التعامل مع مليشيا متهمة بجرائم حرب وتطهير وابادة .
وفي الوقت ذاته يُدفع السودان دفعاً للجلوس معها كشريك سياسي وكطرف في نزاع علي السلطة والشرعية !
لا يمكن لمن يرتكب الفظائع أن يصبح طرفاً يعول عليه في صياغة مستقبل البلاد .
فالمصالحة ، كما تقول العبرة التاريخية ، لا تبنى فوق جماجم الضحايا ، ولا فوق تقارير موثقة عن الإبادة الوحشية .
بل إن أي تساهل في هذا السياق يرسل رسالة خطيرة مفادها أن ارتكاب المجازر ليس عائقاً أمام أن يصبح المرء جزءاً من عملية سياسية أو ديمقراطية .
ما يجب فعله اليوم هو ما تمليه المسؤولية الأخلاقية والقانونية كما يلي :
أولاً ، هو فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف يضع كل المتورطين تحت المساءلة دون حصانات أو استثناءات .
ثانياً ، دعم الحكومة السودانية في بسط سيادتها على أراضيها ، لأن ترك البلاد فريسة للتجزئة المسلحة هو الوصفة المثالية لاستمرار الجرائم .
وثالثاً ، إجبار الدول التي تمول الحرب وترسل السلاح والمرتزقة لقتل السودانيين علي التوقف فورا عن ذلك وأن تتحمل المسؤولية كاملة لتعويض السودان عن كل الخسارات بسبب الحرب والدمار الذي تسبب فيه المحاربون والداعمون لهم .
رابعا ، وقف أي دعوات غير منضبطة للتفاوض مع عصابات المليشيا المجرمة قبل محاسبتها واصدار الاحكام العادلة بشانها ، لأن العدالة تسبق السياسة ، ولأن السلام الذي يأتي رغماً عن الحقيقة لايصمد .
لقد وضع تقرير جامعة ييل المجتمع الدولي والدول ذات العلاقة المباشرة أمام مرآته الأخلاقية .
فلم يعد ممكناً التذرع بغياب الأدلة أو ضبابية المشهد ،
ولم يعد مقبولا الحديث عن طرفي نزاع أو تفاوض أو تسوية ،كما لم يعد الحديث عن أنه لامنتصر في هذه الحرب وأن لاحل سياسيا لها !
إن ما وقع في الفاشر ليس واقعة عابرة ، بل علامة فارقة في سجل الحرب ، وجرس إنذار ينبه العالم أن الوقت لم يعد يتسع للمناورات الدبلوماسية ولمحاولات فرض الحلول التي يستفيد منها هؤلاء المتمردون الوحوش الذين هم خطر علي البشرية والانسانية بأسرها وأنه لاحل معهم الا تعاون الجميع علي محاسبتهم ودحرهم ثم القضاء عليهم وليس مكافأتهم .




