الاحدثدولي

بَرّاك للبنانيين من بكركي: حظًا سعيدًا! | بقلم د. بيار الخوري

تصريحاتُ المُوفَدُ الأميركي إلى لبنان السفير توم بَرّاك من الصرحِ البطريركي في بكركي، بعد زيارته للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي قبل ظهر الأربعاء الفائت، حملت في طيّاتها رسائلَ ثقيلة الوزن مُمَوَّهةً بلغةٍ هادئة. بدا كأنَّ الرجلَ، كما في كلِّ ظهوره الإعلامي، يتحدّثُ بـ”أصابع من حرير”، لكنه يضغطُ على جروحٍ مفتوحة.

“الجميع يحاول… الأمورُ مُعَقَّدة”.

بَرّاك يفتتحُ كلامهُ باعترافٍ ضمنيٍّ بأنَّ الجهودَ تُبذَلُ، لكنَّ العقدةَ داخلية. لم يَقُل إنَّ الخارجَ عاجِزٌ، بل أشارَ إلى أنَّ الانسدادَ حاصلٌ “لدى القادة اللبنانيين كما لدى الجميع”، وكأنّه يقول: المشكلة في الطبقة السياسية، نعم، لكننا أيضًا لسنا على قلبٍ واحد دوليًا. هي محاولة لقول الحقيقة بدون أن يتَّهِمَ أحدًا مباشرة، لكنه لا يُخلي المسؤولية عن السلطة القائمة.

“برّي يقوم ما بوسعه”.

برّاك لا يُثني على الأداءِ العام للرئيس نبيه بري، بل يضعه في خانةِ مَن “يُحاولُ ضمنَ المُمكن”، ويضيفُ فورًا: “رُغمَ تعقيد الأمور”. هنا يُمكنُ الفهمُ بأنَّ الأميركيين لا يرون في برّي حليفًا أو عدوًّا (كما أسلفنا في المقال السابق)، بل وسيطًا ضروريًا، قادرًا على تدوير الزوايا لكن محدود الفاعلية. دَعمٌ مشروط، لا حُبًّا ولا تبنِّيًا. وكأنَّ بَرّاك يقول: نعرفُ حدودَ الرجل، ولا نُعَوِّلُ عليه كُلّيًا، لكن لا غنى عنه.

“ما نقوم به عملية متواصلة وليس حدثًا”.

تذكيرٌ بأنَّ لا “ضربة عصا” أميركية، بل مسارٌ طويل لا حلَّ فوريًا فيه. وهذه الرسالة مُوَجَّهة إلى الداخل اللبناني كما إلى الخارج الخليجي: لا تنتظروا صفقةً فجائية. العملُ بطيء، مُتَدرّج، ولن يُثمرَ إلّا إذا لقي تجاوبًا داخليًا.

“الحوارُ يجب أن يستمر… الجميع يُحبُّ اللبنانيين”.

عبارةٌ تُحاولُ التخفيف من قتامة المشهد. لكنها، حين تُقرأ في سياقها، تفضحُ قلقًا من انقطاعِ الحوار أو تُحَوِّلهُ إلى مواجهة. “الجميع يحب اللبنانيين” ليست تعبيرًا عاطفيًا، بل تلميحٌ أنَّ محبة اللبنانيين لا تعني تبنّي خياراتهم أو التورُّطَ في فوضاهم. هي كناية عن: نحنُ نحترمكم، لكن لا تنتظروا خلاصًا مدفوعًا بالحب.

“الحكومةُ هي مَن يجب أن تُقرّر، وليس أميركا وحدها مَن يُريد المساعدة”.

في هذه العبارة يسحبُ بَرّاك البساط من تحتِ مَن يَتّكِلُ على “القرار الخارجي”. يقول صراحةً إنَّ المطلوبَ هو قرارٌ لبنانيٌّ داخلي أوّلًا. ثم يربطُ المساعدة بمصدرَين: أميركا والخليج. وهو تذكيرٌ بأنَّ الدعمَ الأميركي وحده لا يكفي، وأنَّ الشرطَ الخليجي –وأساسًا السعودي– لم يتغيّر: حكومةٌ فاعلة وفعّالة، إصلاحات، والسلاح.

“إن لم تتوصّلوا إلى استقرار، فلن يأتي أحدٌ للمُناجاة”.

هنا يُسقِطُ برّاك القناعَ الديبلوماسي. العبارة قاسية وإن صيغت بنبرةٍ ليِّنة. المقصودُ واضح: لا مؤتمرَ دوليًّا، لا أصدقاءَ للبنان، لا هبات، لا مساعدات إن لم يتحقّق الحد الأدنى من الاستقرار الذاتي. “المناجاة” هنا استخدمها بذكاء، فيها بُعدٌ شعائريّ، كأنّه يقول: لا صلوات سياسية ستحملكم إلى برِّ الأمان.

“زيارتي حملت أملًا… وأتيت إلى الراعي لينصحني”.

هنا يظهرُ برّاك بصورة الزائر المتواضع، الباحث عن الحكمة. لكنه في الواقع يستخدمُ بكركي كمنصّةٍ رمزية لإرسالِ إشاراتٍ تتعلّقُ بالسيادة، بالسلاح، وبالدولة. فزيارةُ الراعي ليست دينية أو معنوية فقط، بل محمّلة برسالة إلى من يعنيهم الأمر: البطريركية تُعَتبَرُ صوتًا وطنيًا، ولن يتمَّ تجاوز المسيحيين في أيِّ تسوية.
“يجب سحب سلاح كل الميليشيات”.

رسالةٌ مباشرة، لا لبسَ فيها، تستهدفُ أولًا وأساسًا “حزب الله”. لكنه لا يختار المواجهة العلنية، بل يضعها في إطارٍ عام: كلُّ الميليشيات. هو بذلك يوسّعُ الإطارَ شكليًا لكي لا يبدو استفزازيًا، لكنه لا يخفي أنَّ هذا البند يبقى على رأس جدول الأولويات الأميركية، ولو لم يُطرَح بصيغته القصوى.

“يجب التحلّي بالصبر”.

نقيضٌ ظاهري للفقرة السابقة. لكن المعنى أنَّ الأميركيين يدركون أنَّ نزعَ السلاح لن يحصلَ بين ليلةٍ وضحاها، وأنَّ المواجهة مع “حزب الله” ليست على الأبواب، بل هناك تدرُّجٌ و”إدارةٌ للواقع” حتى إشعارٍ آخر.

“هناك مشاكل تمنعُ التطبيقَ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار”.

عبارةٌ تشيرُ إلى جبهة الجنوب، وإلى عدم اكتمال الشروط الأمنية، سواء مع “حزب الله” أو إسرائيل أو قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل). الرسالة هنا مزدوجة: تذكيرٌ بأنَّ الساحة اللبنانية مُرتَبطة بالتوتُّر الإقليمي، وأنَّ “الاستقرار” المنشود سيبقى مضطربُا بانتظار تفاهُماتٍ أوسع.

توم بَرّاك لم يأتِ ليُقدّمَ حلًا، بل ليقول للبنانيين: “حظًا سعيدًا… نحن ننظر، لكن لن نتدخّلَ أكثر مما تتطلَّبُ المصالح والتقاطعات الاميركية”.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى