الاحدثدولي

قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!! -2-| بقلم علي الهماشي

جرت مراحل التأسيس للدولة الأمريكية بالنسق الذي رسمه المؤسسون: رئيس منتخب، وكونغرس يملك ثقله الواقعي على الرئيس، وتوازن هشّ بين السلطات ما يزال في طور التشكل. بقي الأمر كذلك حتى دخل أندرو جاكسون الانتخابات الرئاسية.
الفائز جماهيرياً… المُبعَد بصفقة
تُعدّ ظروف إبعاد أندرو جاكسون عن الرئاسة سابقة في تاريخ انتخاب رئيس الولايات المتحدة. فقد فاز الرجل بأعلى الأصوات في انتخابات 1824، لكن هذا الفوز لم يكن كافياً لتسميته رئيساً سادساً للبلاد، إذ يشترط الدستور الحصول على الأغلبية، وهو ما لم يتحقق. فانتقل الحسم إلى مجلس النواب كما ينصّ الدستور.
كان المرشحون أربعة، وجاكسون أحدهم، لكن خصومه اتفقوا على إزاحته ، تنازل هنري كلاي لصالح جون كوينسي آدامز، فحصل الأخير على الأغلبية وأصبح رئيساً، بينما مُنح كلاي منصب وزير الخارجية كما نصّت الصفقة.
هذه الصفقة لم ترُق لجاكسون ، عدّها فساداً سياسياً صريحاً وحرماناً متعمداً لإرادة الناخبين، وطعنة في ظهره ، وتحوّلت إلى شعار لمظلوميته وعنوان لفساد الطبقة السياسية. اختزن هذا الألم والخذلان ليظهر بقوة في الانتخابات التالية التي فاز بها فوزاً كاسحاً.
كان المشهد التاريخي آنذاك يظهر رئيساً جريحاً يرى المؤسسة قد تآمرت عليه، وسلوكه السياسي بعد ذلك يوحي بروح المنتقم من النخبة التي “سرقت” منه الرئاسة قبل أربع سنوات .
جاكسون… الرئيس الذي واجه المؤسسة
منذ لحظة دخوله البيت الأبيض، تعامل جاكسون مع الكونغرس بوصفه امتداداً لتلك الصفقة. لم ينسَ ما حدث، ولم يُخفِ احتقاره للنواب الذين اعتبرهم ممثلين لمصالحهم لا لإرادة الشعب. بدأ يهاجم الكونغرس علناً، ويستخدم الفيتو كسلاح سياسي، ويؤلب  الجماهير ضد النخبة، محوّلاً كل خلاف إلى معركة بين “الشعب” و”النخبة”. وسنرى تكرار هذا المشهد مع الرئيس ترامب.
استخدم جاكسون الشارع ببراعة، وكان خطابه يثير الجماهير الناقمة، فحاصر خصومه سياسياً. ولم يكن خطابه كلاماً بلا أفعال، بل أثبت لمؤيديه أنه يفعل ما يقول، وأنه ماضٍ إلى نهاية الطريق.
معركة البنك… ذروة الصدام
أبرز ما قام به جاكسون في ولايته الاولى كان رفضه تجديد رخصة البنك الوطني الذي اعتبره أداة بيد النخبة.ولم يعتبر وجوده شرعياً.
وبعد فوزه بولاية ثانية، أصدر قراره بسحب الودائع الفدرالية من البنك وإيداعها في بنوك تجارية خاصة اختيرت لأن أصحابها من الموالين له ( وهي ما تُظهر استغلاله لموقعه السياسي لصالح مؤيديه).
أثار هذا القرار غضب الكونغرس، فأصدر أول توبيخ في تاريخ الولايات المتحدة بحق رئيس وكان ذلك في سنة 1834 ، لكن انتخابات الكونغرس اللاحقة فرضت واقعاً جديداً، وعادت الأغلبية الديمقراطية لصالح حزب الرئيس، فأصدروا قرار الشطب قبيل نهاية ولايته سنة 1837  وعُدَّ  ذلك انتصاراً سياسياً كبيراً لجاكسون.
وسع جاكسون سلطته التنفيذية، وجاء نائبه بعده للرئاسة. لم يعد جاكسون حالة طارئة، بل أصبح مدرسة في العرف السياسي الأمريكي. ولا غرابة أن يتخذه الرئيس الحالي مثلاً سياسياً أو ينعته بأنه ملهمه .
ترامب على خُطى جاكسون ..
 من أهم الخطوات في السياسة أن تجرد خصمك من أسلحته وأدوات ضغطه ،هذا ما فعله ترامب مع الكونغرس  وهو ما فعله جاكسون قبل قرنين من الزمن .
كان فوز دونالد ترامب بترشيح الحزب الجمهوري له لخوض سباق الانتخابات مفاجئة ،وهذه المفاجئة لم تعد  مغامرة انتهت عند هذا الحد بل اصبحت أمر واقعاً بفوزه برئاسة الولايات المتحدة ، ليدخل الى البيت الابيض من خارج المؤسسة ،ويبدأ صراع فرض الارادات بين الرئيس  والكونغرس .
ولعل الجانب المالي هو من أهم النقاط التي يحتاج فيها الرئيس الى الكونغرس .
ترامب يُجرد الكونغرس من سلاحه :
وقد بلغ الصراع بين الرئيس والمؤسسة ذروته في الجانب المالي، وهو السلاح الذي ظلّ الكونغرس يحتفظ به منذ تأسيس الدولة. ففي 14 شباط 2019 رفض الكونغرس تخصيص المبلغ الذي طلبه الرئيس، مكتفياً بجزء محدود منه، في محاولة واضحة لفرض إرادته التشريعية على السلطة التنفيذية. لكن الرئيس ردّ في اليوم التالي مباشرة، 15 شباط 2019، بإعلان “حالة الطوارئ الوطنية” بموجب قانون 1976، وبدأ بتحويل الأموال من بنود أخرى داخل الموازنة، في عملية يمكن وصفها  بانها مناقلة للتخصيصات المالية ) إن جاز لنا التعبير عما قام فريق ترامب، فقد نقل الاموال من وزارة الدفاع وصندوق مكافحة المخدرات، متجاوزاً بذلك سلطة الكونغرس في الإنفاق.
عُدت هذه الخطوة تحدياً  والغاءً لصلاحيات الكونغرس ،فلجأت المؤسسة التشريعية إلى القضاء للطعن في هذا الإجراء، لكن المحكمة العليا أصدرت في 27 تموز 2019 قراراً يسمح للرئيس باستخدام 2.5 مليار دولار من أموال وزارة الدفاع، وهو ما عُدّ انتصاراً سياسياً وقانونياً مهماً، لأنّه جرّد الكونغرس من سلاحه المالي في تلك المعركة، وجعل المؤسسة عاجزة عن المبادرة ،  و جُردت من سلاحها ، وفي ولايته الثانية بدا فريق الرئيس  اكثر نُضجاً في استخدام  الادوات المالية نفسها ، ولكن بصورة مؤسسية أعمق .
ترامب ماضٍ في سياسته المالية بعيداً  عن الكونغرس :
منذ عودته الى البيت الابيض  بدأ  (القيصر)  اجراءات مالية واقتصادية  لتنفيذ اجندته دون انتظار  موافقة الكونغرس  واعتمد على قوانين تجارية قديمة تمنحه سلطة واسعة  لفرض رسوم جمركية تتعلق بالامن القومي  وبالممارسات التجارية العادلة  ، وهي الحجج التي يطلقها لفرض ما يريده ، وفي تفاصيلها الكثير من النقاش  وللاختصار ساذكرها دون الخوض في تفاصيلها:
1-رسوم جمركية شاملة
2-تقليص الانفاق الحكومي وعد بعضها فسادً ماليا في الادارة السابقة
3- تقليص عدد الموظفين  الفدراليين
4- حجز اموال شرعها الكونغرس لبرامج معينة  لا يراها مناسبة فيها تبذير كبير
فهو يعمل على  ضخ الاموال في الخزانة العامة بدلا من هدرها !
وبذلك يسبق الرئيس الكونغرس الذي يعتمد على القضاء في حلها وبمرور الوقت تفقد فاعليتها او الغرض منها ،وهذه الامور تفقد  الكثير من أعضاء الكونغرس فعاليتهم  سيما اولئك الذين  سعوا الى ادراج هذه القوانين ،وهي حرب خفية بين الرئيس والكونغرس ، وحتى هذه اللحظة  يشير الواقع الى تفوق الرئيس على المؤسسة ،ويخنق خصومه مالياً ويقلل نفوذهم  ويجردهم من قوتهم !
خلاصة الفصل الثاني
ومن هنا يمكن القول إنّ الرئيس الحالي أعاد إنتاج معركة جاكسون مع المؤسسة، ولكن بأدوات أكثر حدّة، وبخطوات أسرع، وبقدرة واضحة على تغيير موازين القوة داخل واشنطن. وما جرى في الجانب المالي لم يكن حادثة عابرة، بل علامة على تحوّل بنيوي في طبيعة السلطة التنفيذية، يمهّد لما سيأتي لاحقاً من خطوات أعمق وأبعد أثراً.
 يمثل دونالد ترامب  نسخة سياسية متطورة من أندرو جاكسون، لا في الظروف ولا في النوايا، بل في نمط القيادة: رئيس يرى المؤسسة خصماً، ويستخدم أدوات السلطة التنفيذية لتغيير وجه واشنطن.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى