
كل المؤشرات تدعو إلى القلق من أن اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس، قد لا يصمد طويلاً. الصورة الأصدق لوصف ما جرى حتى الآن: مجرد استراحة مؤقتة للطرفين… كم ستدوم؟ لا أحد يعلم. والأهم من ذلك، لا يوجد اتفاق مكتوب وموثّق وفق القانون الدولي يحمي هذا التفاهم الهش.
الواضح من المشهد أن كلا الطرفين يستعدان لمواصلة المشوار كلٌ بطريقته. من جهة إيران، التصريحات الصادرة من المسؤولين هناك واضحة: لا تراجع عن الحق الطبيعي في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
أما الطرف الآخر، الذي يعيش هاجس البقاء ويكاد لا يتنفس إلا تحت غطاء التهديدات الأمنية، فيرى أن المشروع النووي الإيراني يمسّ جوهر أمنه. ليس المشروع الإيراني وحده، بل أي مشروع نووي في المنطقة، علماً أن الدول العربية تكاد تكون خالية من أي برنامج نووي حقيقي.
وإسرائيل، التي تجرأت وهاجمت إيران بشكل سافر، تجد الآن أن الطريق بات مفتوحاً لتكرار الكرة متى شاءت. خاصةً بعد الغطاء السياسي الذي منحته لها واشنطن وعواصم أوروبا الغربية. تاريخياً، هذا هو ديدن الدولة العبرية: الضرب بلا رادع دولي، في ظل صمت مطبق حتى عن جرائم طالت مدنيين وأكاديميين ذنبهم الوحيد تخصصهم في المجال النووي. الغريب أن الجامعات التي خرجت بعض هؤلاء العلماء لم تحرك ساكناً ولم نسمع منها إدانة واحدة!
أما ترامب… فله قصة أخرى.
الرئيس الأميركي يبدو وكأنه يعيش دور “بطل الحرب والسلام” في آن واحد. يتصرف وكأنه الرجل الكبير الذي يتدخل ليفك اشتباك أطفال يتعاركون في الشارع! هذا هو الأسلوب الأبوي الذي حاول اعتماده… لكنه، في الحقيقة، دخل طرفاً مباشراً في الاشتباك، ولم يعد مجرد وسيط.
ترامب لا يفوّت فرصة لاستفزاز إيران. هو يحب الأضواء ويحب أن يكون محور الحدث. الـ”أنا” عنده بحجم ناطحات السحاب. لا يتصرف كراعٍ للسلام بل كخصم متوتر، سريع الانفعال. مشكلته الأكبر أنه يتابع تويتر وفيسبوك وكأنّه مدوّن صغير… لا رئيس لأكبر قوة عالمية.
الحقيقة التي لا يريد ترامب الاعتراف بها: هذه الحرب لم تتوقف بقراره الشخصي، بل بتدخل الدولة العميقة داخل كل من واشنطن وطهران. تلك الدولة التي لا تظهر للعلن لكنها تتحرك في الأزمات وفق منطق لا يدركه ترامب مهما حاول كسر الأعراف.
ومع ذلك… نجح ترامب في استثمار تدخل الدولة العميقة لصالحه. استغل الموقف ليظهر بمظهر القائد الحازم. حتى في قمة الناتو، ذهب وهو يحمل أوراق ضغط، واستطاع إجبار الدول الأعضاء على زيادة إنفاقها الدفاعي دون أن تدفع واشنطن المزيد. صفقة طائرات الـ F35 للمملكة المتحدة كانت انتصاراً آخر له أمام ناخبيه.
لكن دعونا نعود إلى الهاجس الأكبر في ذهن ترامب: الشرق الأوسط.
ترامب كان يراهن على أن ولايته الثانية ستكون مرحلة تتويج “صفقة القرن” التي بدأها في فترته الأولى. لكنه اصطدم بحسابات نتنياهو… أو لنقل “عُقد نتنياهو”، فالوصف الأدق لما جرى يصعب تلخيصه بكلمة واحدة.
الاتفاق الحالي هش للغاية ويحتاج إلى رعاية دقيقة. وفي هكذا لحظات، يحتاج راعي الاتفاق إلى قدر هائل من الصبر والحكمة والقدرة على استيعاب أطراف النزاع. لكن الرئيس الأميركي يفتقد كل ذلك. كل مرة يفقد أعصابه، وتغريداته تكشف حجم الاندفاع والغضب. تصريحاته للصحفيين لا تقل حدة. قد يكون ترامب هو الرئيس الأميركي الأكثر هجوماً وتنمّراً على مخالفيه منذ عقود.
بل حتى طاقمه الوزاري اختاره بناءً على معيار واحد: الولاء الشخصي. لهذا السبب نرى وزراءه ومستشاريه مشغولين طوال الوقت في الدفاع عنه، بدلاً من الانشغال بشؤون الدولة. عبارة “قال الرئيس وفعل الرئيس” صارت لازمة في مؤتمراتهم الصحفية. ظاهرة لم تكن معهودة في الإدارات الأميركية السابقة.
إذا كان ترامب يحلم فعلاً بشرق أوسط جديد ويريد تحويل وقف إطلاق النار إلى سلام دائم… فعليه أن يفهم طريقة تفكير الإيرانيين. وهو درس يجب أن يستوعبه الطرف الإيراني أيضاً، فهم يعيشون واحدة من أصعب مراحلهم منذ انتصار الثورة في 1979.
ترامب اليوم يدرك أن نتنياهو يسعى إلى جرّ المنطقة نحو الفوضى… ويعرف أن أي محاولة لاستهداف رأس النظام في طهران قد تمزق البلد بأكمله. قد يكون ترامب استوعب ذلك متأخراً… وربما بتلميحات من الدولة العميقة. فالرجل لم يمانع في البداية طموحات نتنياهو، لكنه بعد ذلك بعث بتحذير مبطن إلى إيران ومرشدها الأعلى قائلاً: “نحن نعرف أين تختبئ”. هذا النوع من التصريحات يعرفه الساسة جيداً… هو أقرب إلى التحذير منه إلى التهديد المباشر.
ترامب لاحقاً حاول أن يظهر بمظهر “منقذ المرشد” من الاستهداف الإسرائيلي. لكن في عالم السياسة… هذا التصرف كان أقرب إلى الإهانة منه إلى المجاملة الدبلوماسية.
في النهاية… السؤال الأهم: هل يستطيع ترامب كبح جماح أناه وحبه للظهور؟ هل سيتوقف عن التنمر السياسي؟ ربما… وربما لا. وحدها الدولة العميقة قادرة على أن تضبط إيقاعه… ويبقى السؤال مفتوحاً: من سيرعى الراعي هذه المرة؟!




