الاحدثدولي

أميركا: نتائج تحقيق 6 يناير، تداعيات مُنتظرة | بقلم د. عوض سليمية

المشهد غير المعتاد للأميركيين الى حد ما، والناجم عن اقتحام انصار ترامب من اليمين المتطرف لمبنى الكابيتول ليلة 6 كانون الثاني/ يناير2021، وما تخللها من فوضى، وأعمال عنف وإطلاق للنار، بهدف إجهاض تصويت اعضاء المجمع الانتخابي الأميركي (435 عضوًا) بفوز الرئيس جو بايدن رسميًا في الانتخابات الرئاسية، على حساب منافسه الجمهوري الخاسر دونالد ترامب، أثار موجة غضب عاصفة وإستياء كبيرين في اوساط الشعب الأميركي. ووصفها عدد من السياسيين الأميركيين بأنها لحظة اختبار حاسمة لمدى قدرة الديموقراطية الأميركية على الصمود، وذهب آخرون لاعتبارها وصفه حقيقية لاشعال شرارة حرب اهلية أميركية قادمة.

ومع اختتام قرابة 18 شهرًا من التحقيق في هذه الاحداث. كشف التقرير النهائي الصادر عن اللجنة البرلمانية المُكلفة بالتحقيق، – اسندت تهم لــ 900 شخص آخرين شاركوا في هذه الاحداث، أن الرئيس السابق دونالد ترامب قد انخرط جنائيًا في “مؤامرة متعددة الأجزاء” لقلب النتائج القانونية للانتخابات الرئاسية لعام 2020، وفشل في التصرف لمنع مؤيديه من مهاجمة مبنى الكابيتول. وعرّض الديموقراطية الأميركية وحياة المشرعين الأميركيين للخطر. ووجهت اللجنة لترامب اربع تُهم رئيسية:

(1). التحريض والمساعده على التمرد

 (2). إعاقة تنفيذ إجراءات رسمية

 (3). التآمر والاحتيال على الولايات المتحدة و

(4). الادلاء بإفادات كاذبة ومضللة للعدالة.

وأوصى من بين امور اخرى، بضرورة ان ينظر الكونجرس الى منع ترامب من تولي أي منصب سيادي في المستقبل. في سياق ذلك، علق رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق، النائب الديموقراطي بيني طومسون، على هذا التقرير بكلماته “ترامب أشعل النار”.

وعلى الرغم من ان النيابة العامة التابعة لوزارة العدل الأميركية غير ملزمة بالاخذ بمحتويات هذا التقرير أو توصياته قانونيًا، ولم تصدر تعقيبًا رسميًا على نتائجه، إلا ان ترامب سارع بالهجوم على لجنة التحقيق، مُعتبرًا تقريرهم بمثابة محاكمة صورية هادفة الى قطع الطريق امامه للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة للعام 2024. وكرر اتهاماته للديموقراطيين بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية.

في هذا السياق، وبالنظر الى الاسباب الجذرية للخلاف بين الحزبين الكبيرين، يتابع الديموقراطيون جهود اللحظات الاخيرة في سباق مع الزمن المتاح امامهم – قبل تولي الجمهوريون قيادة مجلس النواب مطلع العالم 2023، بعد فوزهم في انتخابات التجديد النصفي باغلبية مقاعد الغرفة. من ناحية، نجح الديموقراطيون في نشر نسخة الإقرارات الضريبية لدونالد ترامب بعد سنوات من المماطلة، جوهر الحجة فيها، ان ترامب كان قد تهرب من التدقيق الضريبي، وفي ذلك مخالفة صريحة لنص قانون سلطة الضرائب الأميركية في التدقيق الالزامي بالدخل الفردي للرئيس ونائبه. من ناحية اخرى، سجل الديموقراطيون إنجازًا آخرًا، بعد تمكنهم من استقطاب عدد من اعضاء الكونجرس الجمهوريين، في تمرير تشريع حزمة انفاق ضخمة بقيمة 1 تريليون و700 مليار دولار، وبالتالي سمح هذا التشريع بإبعاد الادارة الديموقراطية عن شبح الاغلاق الحكومي للعام المالي 2023 والذي كان يتهددها.

هذه الانجازات الخاطفة من وجهة نظر الديموقراطيين في الدقيقة الاخيرة، ستكون فاعلًا اضافيًا في توسيع الفجوة القائمة ورفع مستوى حالة عدم الثقة مع الجمهوريين الى مدارات اعلى. فالرياح السياسية ستقف مطلع العام الجديد بقوة لصالح المشرعين الجمهوريين، موعد جلوسهم على مقاعد مجلس النواب، للبدء بإجراءات الرد على تشريعات وقوانين الديموقراطيين المنفردة داخل الكونجرس خلال العامين الماضيين، والتي يراها اعضاء من الطيف السياسي الجمهوري مُوجهة للاضرار بالحزب، ولا تقتصر تداعياتها على الرئيس ترامب فحسب. من الان فصاعدًا، ستكون يد الجمهوريون اعلى بحكم الاغلبية، ومتوقع ان يفتتحو دورتهم البرلمانية بالسيناريوهات التالية (1). إستئناف التحقيق في نشاطات هنتر بايدن نجل الرئيس بشبهة ارتكاب جرائم تهرب ضريبي، (2). إتهامه بالادلاء ببيانات كاذبة لشراء سلاح ناري عام 2018، (3). تمويله لنشاطات المختبرات البيولوجية الاوكرانية، و(4). عضويته في جماعات الضغط العاملة لصالح اوكرانيا والصين. الى جانب إمكانية الدفع بفتح تحقيق شامل قد يطال الرئيس بايدن نفسه، حول مصير مليارات الدولارات وجدوى الدعم العسكري اللامحدود في تغذية الحرب في اوكرانيا، بدلًا من استثمار اموال دافعي الضرائب لاصلاح الاقتصاد الأميركي.

المسارات التصادمية المتوقع سلوكها من قبل الجمهوريين، ستضيف مزيدًا من التحديات وتضيق هامش المناورة امام الادارة الديموقراطية، وكنتيجة، ستؤدي الى شلل في اجندة الرئيس بايدن الداخلية والخارجية على مدى العامين القادمين، ومع اخذ نتائج المسح الذي أجراه مركز بيو للأبحاث والدراسات مؤخرًا بعين الاعتبار، والذي كشف ان ما نسبته 47% من الأميركيون يرون أن تأثير بلادهم في السياسة الدولية أصبح ضعيف في السنوات الأخيرة، فإن إنخراط مهندسي الدولة العميقة وجماعات المصالح في واشنطن بات شبه مؤكد، لمنع انهيار المعبد على رؤوس الجميع، وقد تكون عقيدة الصفقات هي المخرج لجملة هذه الازمات، محورها، ثني كل من ترامب والرئيس الحالي بايدن عن فكرة الترشح لانتخابات الرئاسة القادمة 2024، بالتزامن مع إسقاط التهم الموجهة و/أو تلك القادمة في الطريق للمكتب البيضاوي الحالي، وبالتالي طي ملف احداث 6 يناير مرة وللابد.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى