الاحدثدولي

رؤية استراتيجية لمستقبل الصراع في المنطقة | بقلم ناجي أمهز

في ضوء التصعيد الأخير الذي شهدته المنطقة عقب استهداف المنشآت النووية الإيرانية، تبرز الحاجة إلى مقاربة استراتيجية هادئة تتجاوز منطق التصعيد اللفظي أو الردود العاطفية، وتركز على أفق سياسي واضح يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الإقليمية والدولية. في هذا السياق، يبرز دور الأطراف الإقليمية والدولية، مثل الصين وروسيا، في محاولة احتواء التوتر وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة واسعة النطاق.

من هذا المنطلق، قد لا يكون من المجدي تحميل إيران وحدها مسؤولية الرد العسكري، بل من الأفضل تركيز الجهود على الحفاظ على التوازن الإقليمي، خاصة في ظل المعطيات التي تشير إلى أن استمرار قوة إيران يشكل عنصر استقرار أساسي يخدم مصالح عدد من القوى الآسيوية الكبرى. أما على المستوى السياسي، فإن التعامل مع الأحداث الراهنة ينبغي أن ينطلق من تقدير عقلاني لحجم الفواعل الدولية ومصالحها، وليس من منطلق المواجهة الشاملة، وخصوصًا مع الولايات المتحدة.

في هذا السياق، لا تبدو المواجهة المباشرة مع واشنطن خيارًا مرجحًا أو منطقيًا، إذ من شأنها أن تفتح الباب أمام تعقيدات جيوسياسية كبرى. فالولايات المتحدة لا تزال فاعلًا رئيسيًا في النظام الدولي، ولا يمكن تجاوز هذا الواقع دون تداعيات واسعة. بالمقابل، يُفترض أن يتركز الرد، إن وُجد، على الأطراف التي بادرت بالفعل إلى العمل العسكري، بما يحصر النزاع ضمن حدوده الجغرافية ويجنب المنطقة مزيدًا من الانفجار.

من جانب آخر، يُلاحظ أن بعض التحليلات التي سادت في الأوساط الإعلامية سابقًا، والتي افترضت إمكانية حدوث تقارب غير تقليدي بين طهران وواشنطن في عهد الرئيس ترامب، لم تصمد أمام واقع التطورات السياسية لاحقًا. وهو ما يدفع إلى ضرورة مراجعة أدوات التقدير السياسي، والابتعاد عن الاستنتاجات القائمة على فرضيات غير مؤكدة.

بناءً عليه، قد يكون من المجدي لإيران مواصلة سياساتها القائمة على الرد المحدود والمحسوب تجاه إسرائيل، دون أن تُقحم نفسها في مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة. كذلك، فإن تفعيل القنوات الدبلوماسية والسياسية، بالتوازي مع المواقف الدفاعية، يمكن أن يسهم في إدارة الأزمة بشكل متوازن، ويحمي المصالح الاستراتيجية طويلة المدى.

كما يُطرح احتمال أن يكون التصعيد الأخير مقدمة لتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة، أو حتى لإعادة ترتيب الأدوار الإقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بدور إيران تجاه حلفائها العرب. في هذا السياق، ينبغي الانتباه إلى الرسائل السياسية التي قد تحملها بعض العمليات، خاصة في ظل سرديات إعلامية تسعى لتصوير إيران كدولة معزولة في محيطها العربي.

وعلى الرغم من الحضور الأمريكي الميداني في هذه الأحداث، فإن إيلاءه أهمية مفرطة في الخطاب الإعلامي قد يفتح المجال لتوسيع رقعة النزاع، ويفوّت فرص التهدئة السياسية. ذلك أن الولايات المتحدة استخدمت أدوات عسكرية مماثلة في مناطق عدة كالعراق وسوريا، دون أن تؤدي إلى تغييرات جذرية في موازين القوى.

في الختام، الحفاظ على تماسك إيران واستقرارها يبقى هدفًا مهمًا للمنطقة، لما تمتلكه من مقومات داخلية وخارجية تؤهلها للعب دور فاعل على المستوى الإقليمي والدولي. إن قوة أي دولة لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضًا بمرونتها في إدارة الأزمات، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص عبر أدوات السياسة والدبلوماسية.

ناجي أمهز، كاتب وباحث سياسي لبناني

كاتب وباحث سياسي لبناني، له عشرات المقالات التي حققت شهرة عالمية تنشر أعماله بأكثر من ٥٠ موقع ومنها عرب تايمز التي تصدر بأمريكا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى