الاحدثفلسطين

فلسطين: المنعطف الأخلاقي وكشف هشاشة النظام العالمي | بقلم البروفسور هبة مهيدة ‎


يكشف الواقع في فلسطين، منذ نكبة 1948 التي شُرّد خلالها نحو 750,000 فلسطيني من أراضيهم، وصولًا إلى أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من تصعيد عسكري في المنطقة _التي تأوي خط المقاومة_، هشاشة البنية القانونية الدولية، ‎يظهر الخلل كبنية تُعيد إنتاج التفاوت باسم الشرعية، وتُضفي على موازين القوة غطاءً مؤسسيًا يشرعن امتياز الفاعلين المهيمنين، يتكشّف النظام القانوني كآلية تشتغل وفق هوية الفاعل لا طبيعة الفعل، مما يعيد تعريف الجريمة ويعيد ترتيب من يملك الحق في التسمية ومن يُمنح شرعية الدفاع.


حين طرح الفرنسي كلود لانزمان في فيلمه الوثائقي “Pourquoi Israël” (1972) سؤاله “لماذا إسرائيل؟” دشّن آلية معرفية أسّست لموقع رمزي ثابت داخل الوعي الغربي الحديث، تحوّل الكيان الاستعماري إلى ضرورة أخلاقية وتاريخية ضمن سردية الحداثة، وأُعيد تأهيله كبنية تُتيح للغرب الإفلات من محاسبة تاريخه الإمبريالي مع الحفاظ على خطابه حول التقدّم والعقل الأخلاقي.


غياب الصوت الفلسطيني عن الفيلم كشف امتداد العنف الرمزي إلى أدوات إنتاج المعرفة، – وهو ما تحدثت عنه في مقال سابق تحت اسم النفي المعرفي -حيث أقصي الفلسطيني من إمكان القول ومشروعية طرح الأسئلة.


تأسس بذلك منطق تُمنح فيه شرعية السؤال للمركز وتُعاد صياغة ما يُرى وما يُسكت عنه وفق خرائط الهيمنة، لقد ‎أجاب لانزمان في الفيلم بأن “مصير الغرب يتوقف على إسرائيل”، وثبّت بذلك الموقع الرمزي للكيان داخل البنية الغربية كحصيلة صراع وشرط لتماسك الذات الحديثة، من خلال ثلاث آليات: إعادة توزيع الذنب بعد الإبادة أي الهولوكوست في المخيال الغربي ، وإنتاج ضحية جديدة تُعيد للغرب موقعه الأخلاقي، وتصريف التوتر التاريخي إلى جغرافيا قصيّة تحرس المصالح الإستراتيجية في قلب العالم العربي، في هذا السياق، شكّل الكيان نموذجًا مضغوطًا للحداثة، حيث التقى التبرير الأخلاقي بأدوات السيادة، وأعيد ترتيب العلاقة بين القوة والمعنى داخل النموذج الغربي.

‎إعادة تشكيل المعنى في ظل النفي الرمزي
‎بعد عقود على سؤال لانزمان، وما وقع منذ السابع من أكتوبر، ينهض سؤال مقابل: ‎لماذا فلسطين؟ سؤال يُطرح من موقع المستضعف، كرد فعل معرفي يعيد ترتيب مشروعية القول ويقوّض البنية الرمزية للهيمنة، ‎هذا التحوّل لا يدور حول صراع جغرافي فقط، بل ينكشف في حقل المعنى بحيث تُمنع فلسطين من الظهور كعلامة على أزمة النيوكولونيالية، ويُختزل الفلسطيني في “معطى أمني”، ويُجرد من موقعه كفاعل تاريخي يمتلك وعيًا مضادًا للسردية السائدة، أُفرغ الألم واليُتم من دلالاتهم، وتحوّل الاحتجاج إلى فعل فاقد للشرعية، مارست أدوات الهيمنة رقابة مزدوجة: قيدت ما يُقال، وحددت من يحق له الكلام، وسيطرت على مصادر المعنى، وأنتجت شبكة من الخطابات والمؤسسات والأفراد لإعادة إنتاج موقع السيطرة الرمزية. ‎لا يزال عدد من المثقفين المرتبطين بمنظومة الدفاع عن الكيان في الفضاء الفرنسي مثلا، يستدلون بالفيلم لتبرير ازدواجية المعايير ‎حين يتعلق الأمر بمن سُلبت أرضه، في مواجهة ذلك، يستعيد سؤال “لماذا فلسطين ؟” طاقته في خلخلة النظام السائد بشقِّه مسارًا تأويليًا مستقلًا،ورغم فداحة الضريبة المدفوعة، حرّر هذا السؤال الصوت من شبكات التمثيل، وفرض على الخطاب المهيمن المواجهة والمساءلة. ‎
ما يحدث في فلسطين اليوم يُزعزع بنيات التصنيف، ويعيد تعريف ما يجوز التفكير فيه وما يُعتبر جديرًا بالقول، ويهيئ الأجيال الحالية والقادمة لامتلاك أدوات التفكيك والانخراط في إنتاج المعنى من موقع الندّ.

‎من قلب هذا السؤال، تتكشف ثلاث آليات متشابكة تُعيد تثبيت المنظومة: سردية سياسية تمنح الكيان موقعًا خارج المساءلة، كما في تبرير العمليات العسكرية في غزة بـ”مكافحة الإرهاب”؛ صمت جماعي يتوزع نفسيًا داخل الجماعات و يشاهَد في حالة عمى التكيف الذي يصيب الجماهير العامة مع ما تراه يوميا من إبادة وتجويع ؛ ونظام قانوني يُعلي الشكل على المضمون الأخلاقي.


يُثبت هذا التداخل نمطًا إبستيمولوجيًا يعيد ترسيم حدود الفعل المقبول، مُحوّلًا فلسطين من قضية استعمار إلى “استثناء” يُدار دون تفكيك جذوره.

‎البُعد النفسي الاجتماعي :الصمت الجمعي وتوزيع المسؤولية
‎يُجسد السلوك الجماعي تجاه فلسطين ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ”تأثير المتفرج” (Bystander Effect)، وهي ظاهرة تشير إلى أن احتمال تدخل الفرد في موقف طارئ يتناقص كلما ازداد عدد الحاضرين، نتيجة لتوزيع المسؤولية بين الجميع، في السياق السياسي، يتخذ هذا التأثير شكله المؤسسي، حيث تميل الدول والمنظمات إلى الإحالة المتكررة على جهات أخرى أو إلى مسارات قانونية بيروقراطية “مقصودة عندما يتعلق الأمر بفلسطين “، ما يؤدي إلى شلل متعمد في اتخاذ القرار. لا ينبع هذا الصمت من نقص في المعرفة أو انعدام القدرة، إنما من نمط إدراكي يفصل بين المعرفة والفعل، ويحوّل التواطؤ إلى حياد مشروع، بهذا الشكل، تتحول فلسطين إلى مشهد مكشوف لا يتطلب أكثر من المتابعة أو التعليق على القنوات الفضائية كما يحدث باستمرار، ‎هذا الصمت لا يُكسر إلا عبر صدمات معرفية، كما حدث مع شهادات صحفيين ميدانيين ، الذين نقلوا مشاهد الدمار من قلب غزة، مما أدى إلى إثارة موجات احتجاج عالمية وأعاد إدراج المعاناة الفلسطينية ضمن الحقل الأخلاقي العالمي، بوصفها حقيقة تتطلب التعبئة من أجل اتخاذ مواقف فعلية.

‎الشرعية الدولية حين تعيد إنتاج التفاوت
في خطابه الشهير بجامعة هارفارد عام 1978، وجّه ألكسندر سولجنيتسين، الكاتب الروسي الحائز على نوبل والمنشق عن المنظومة السوفييتية، نقدًا جذريًا لبنية القانون في الغرب حيث رأى أن احترام الشكل القانوني لا يضمن العدالة، بل قد يصبح أداة لإنتاج العجز من داخل الامتثال، والقانون، بحسبه، يشرعن الظلم، حين يُقدَّم الامتثال الإجرائي كبديل عن الموقف الأخلاقي. ‎في الحالة الفلسطينية، يتجلى هذا التشخيص بوضوح،حين يُصدر المجتمع الدولي قرارات مثل قرار مجلس الأمن 2334 (2016)، الذي يدين المستوطنات، لكنه لا يُتَرجَم إلى عقوبات أو إلزامات بالتطبيق ،ويكمن سبب ذلك في أن قرارات من هذا النوع تُترك دون آليات تنفيذ فعلية ،عندما لا تخدم مصالح القوى الكبرى، خصوصًا مع امتلاك الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو)، واستمرار انحيازها البنيوي للكيان بوصفه حليفًا استراتيجيًا.

يتحوّل القانون هنا إلى واجهة شكلية تُنتج الشرعية وفق خريطة المصالح والتموضع الجيوسياسي، ‎تُعرَّف الجريمة بحسب موقع الفاعل: تُبرَّر أفعال الكيان باعتبارها “دفاعًا عن النفس”، بينما تُصنّف مقاومة الفلسطينيين كـ”إرهاب”. تُسهم الثقافة في ترسيخ هذا التفاوت فنجد أفلام مثل ناجي العلي (1992)، التي توثق نضال الفنان الفلسطيني عبر الكاريكاتير، تظهر تحديًا رمزيًا لهذا المنطق، في حين تُعزز أعمال لانزمان، بإعادة إنتاج الرواية المؤسِسة للكيان، شرعية الفعل الاستعماري من داخل الوعي الثقافي الغربي.

‎فلسطين ككاشف بنيوي ورهان المستقبل
‎تُجسّد فلسطين التقاء ثلاث آليات: سردية تُقصي المساءلة، صمت مؤطّر نفسيًا، ونظام قانوني يُنتج التفاوت من داخل إجراءاته ، تُطرح الحاجة إلى إعادة توزيع الصوت داخل الفضاء العام، عبر تمكين الرواية الفلسطينية من أدوات التأثير، وتوسيع التضامن من خلال حملات المقاطعة، التظاهرات، والمنصات البديلة. ‎ لابد من ادراك أن الخطر مستمر، ما دامت المؤسسات الدولية والقانونية تواصل عملها كدرع واقٍ للكيان، وتدفع نحو مشاريع الهيمنة الإقليمية، كما يظهر في توسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” تحت غطاء “السلام”، ‎هذا الانحياز يُقصي فلسطين من موقع “القضية الأخلاقية”، ويُعيد تموضعها في موقع “الكاشف البنيوي”، الذي يُجبِر المنظومة العالمية على مواجهة تناقضاتها، وإعادة تصورها للعدالة، ان ‎تراكم الانتهاكات، من الحصار إلى المجازر، يُراكم بدوره طاقة أخلاقية تهدد بنية البراديغم القائم لقد أثبت التاريخ أن كل تواطؤ يصيب الضحية والجلاد معًا بنفس القدر.

‎ إن فلسطين خصوصا منذ السابع من أكتوبر تتجلى في شكل خلل بنيوي يكشف منطق النظام العالمي، ويعيد رسم خرائطه الرمزية والسياسية والفلسفية.

د. هبة مهيدة، كاتبة وأكاديمية جزائرية

كاتبة و اكاديميه جزائرية متحصله على دكتوراه في الانثربولوجيا و لديها شهادات لييانس في علم النفس العيادي و علوم الاعلام و الاتصال تشغل حاليا مركز استاذ محاضر في الجامعات الجزائرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى